23.11.2009

87 درجة على سلم السعادة


قرأت، قبل يومين، نتائج الدراسة التي أعدها باحثون من جامعة «إيراسموس» بمدينة روتردام الهولندية والتي تقيس درجة سعادة الشعوب. ووجدت أن المغرب يحتل المرتبة الـ87 في مؤشر السعادة. لم أندهش للرتبة الجديدة التي احتلها المغرب ضمن الترتيب، والتي تضعه ضمن الدول متوسطة السعادة. فسألت نفسي من هم السعداء والتعساء في المغرب. وعثرت على بعض الإجابات التي قد تبرر حصولنا على هذه الرتبة المتوسطة في سلم السعادة العالمية.
هنا الحديقة ليست سعيدة،
لذلك يجلس فيها العشاق ويتخاصمون.
هنا الطرقات ليست سعيدة،
لذلك تتلوى من شدة الألم وتنمو على وجهها حفر يسقط فيها الناس ويموتون.
هنا القرية ليست سعيدة،
لذلك يبيعها الفلاحون بالتقسيط ويهجرون شجيراتها بلا ندم.
هنا المدينة ليست سعيدة،
لذلك تختنق رئتاها بسبب التلوث وتسعل بشدة وتنام في المستشفيات الحكومية.
هنا القطارات ليست سعيدة،
لذلك تتأخر عن مواعيدها وأحيانا تتعطل وتقف في الخلاء.
هنا الشرطي ليس سعيدا،
لأنه يقف تحت المطر وتحت الشمس وحيدا إلا من صفارته وغشاء مسدسه الفارغ.
هنا الإشارات الضوئية ليست سعيدة،
لأن هناك من يحرقها بلا رحمة.
هنا الكتب ليست سعيدة،
لأن الناس لا يفتحونها كل مساء قبل النوم ويفتحون مكانها أفواههم في تثاؤب طويل بلا نهاية.
هنا الأطفال ليسوا سعداء،
لأن الدولة لا تفكر فيهم بما فيه الكفاية وتنشغل عن بناء حدائق ألعاب لهم بصناعة صناديق كبيرة «يلعب» بها الكبار.
هنا النساء لسن سعيدات،
لأن الرجال أصبحوا عازفين عن الزواج، والذين يتزوجون يعزفون بعد العام الأول للزواج عن الحب، وما يصمد في النهاية داخل العائلة ليس سوى الحزن.
هنا المقاومون ليسوا سعداء،
لأن أوسمتهم التي تبرعت بها عليهم الدولة ليستعملوها كل عام في عيد الاستقلال لا تنفعهم أمام فواتير الدواء الذي يشترونه من الصيدليات كل أسبوع.
طبعا، نتحدث عن المقاومين الحقيقيين الذين قاوموا الاستعمار ووجدوا أنفسهم، في آخر المطاف، يقاومون الأمراض المزمنة، وليس المقاومين المزيفين الذين لم يشاهدوا بندقية في حياتهم غير بنادق الصيد المعلقة على جدران فيلاتهم، ولم يغتالوا شيئا آخر غير الأرانب البرية وطيور الحجل، ومع ذلك حصلوا بسبب هذه المقاومة على رخص الصيد في أعالي البحار نكاية بكل الذين كانوا يغتالون المعمرين والجبناء.
هنا المعتقلون السابقون ليسوا سعداء،
لأن مصروف الجيب الذي تقاضوه من جلاديهم ليقايضوا به سنوات العذاب أنفقوا نصفه على علاج الأمراض التي ربحوها من الزنازين، ونصفه الآخر أنفقوه في اقتناء زنازين في السكن الاجتماعي حكموا على أنفسهم داخلها بالسكن المؤبد.
هنا الفنانون ليسوا سعداء،
لذلك يلتهمهم سرطان مخيف يقضي وقته في البحث عنهم وسط الناس، يتعرف عليهم من قلوبهم الهشة ووجوههم الشاحبة ونظراتهم المتحسرة على أبنائهم الذين سيتشردون بعدهم وعلى وطنهم الذي قسا عليهم أكثر من اللازم.
هنا الرياضيون ليسوا سعداء،
لذلك يذهبون للركض تحت رايات أجنبية، ويعلقون ميداليات ذهبية مرددين أناشيد وطنية أخرى بغصة في الحلق وحرقة في القلب على رايتهم ونشيدهم الوطني الذي بحت حناجرهم من كثرة ترديده دون أن يسقط لا النشيد ولا الراية في حبهم.
هنا السياسيون سعداء،
لأنهم في كل مرة يفتحون دولاب ثيابهم يلتقطون معطفا جديدا ويلبسونه ثم يذهبون إلى الشعب، وعندما يختلون به يخدعونه بالوعود المعسولة ويخطبون وده، وفي النهاية يطلبون صوته عوض يده، ثم يطلقونه الطلاق الثلاث بمجرد ما يجلسون فوق الكراسي الوثيرة.
هنا الوزراء سعداء،
لأنهم محصنون ضد كل شيء. ضد المتابعة، ضد المحاسبة. ولشدة حرصهم على كراسيهم أصبحوا محصنين حتى ضد الاستقالة.
هنا السماسرة سعداء،
لأن الحكومات التي تناوبت علينا وفرت لهم شعبا غارقا في المشاكل التي لا يحلها سوى السماسرة بمعارفهم في الدواوين والوزارات، ومفكرات هواتفهم حيث الأرقام السرية لحقيبة هذه الورطة الوطنية.
هنا اللصوص الكبار سعداء،
لأن القضاء يعرفهم واحدا واحدا ولا يفكر في اعتقالهم خوفا من أن يعترفوا أمام الملأ بأسماء الذين يقتسمون معهم سرقاتهم، ويفضل بالمقابل اعتقال لصوص صغار وأنانيين لا يقتسمون سرقاتهم التافهة مع أحد.
هنا المثقفون سعداء،
لأنهم يفتحون أفواههم عندما يكون هناك من يهدد جيوبهم ويغلقونها عندما يكون هناك من يهدد الوطن.
هنا النخبة سعيدة،
لأنها تقاضت ثمن صمتها حتى آخر مليم، وعندما أرادت أن تستعيد صوتها وجدت أنها قايضته بكراسي تافهة في مناصب لا تمارس فيها سيادة أخرى غير سيادتها على رواتبها السمينة التي تصرفها الدولة لها كل شهر.
هنا المتفائلون سعداء،
لأنهم يفضلون رؤية نصف الكأس المملوء ويغضون الطرف عن النصف الآخر المراق على جوانب الطاولة الثقيلة التي يحملها الشعب على أكتافه.
هنا السعداء يتحدثون نيابة عن البؤساء، لأن البؤساء يحترفون دائما فضيلة السكوت مطمئنين إلى أن السكون من ذهب.
أنا أؤمن بشيء آخر تماما، إذا كان السكوت من ذهب فإن الصراخ من جوهر وياقوت.
تعلموا، إذن، أن تصرخوا من حين إلى آخر
ولو من شدة الألم على الأقل !

12.11.2009

بعض أسرار قوة النظام التعليمي بألمانيا


مع بداية كل موسم دراسي جديد هنا بألمانيا تحضرني دائما ذكريات طفولتي، و معها الحالة التي كان عليها تعليمنا في ثمانينيات القرن الماضي وكيف كان بعض مدرسينا "سامحهم الله"يفرغون فينا مشاكلهم وسخطهم على وضعيتهم وكيف كان البعض الآخر"أطال الله في عمرهم و شفاهم مما تسببنا لهم فيه من مشاكل نفسية وعصبية" يتحملون شقاوتنا ويكافحون من أجل تعليمنا وتربيتنا بتفانٍ و إخلاص، وأطرح أكثر من سؤال عن حاضر ومستقبل هذا القطاع بمملكتنا السعيدة وهل خطونا خطوات إلى الأمام كما هو حال الأمم المتقدمة أم إلى الوراء كما هو حال الأمم المتخلفة التي لا تضع التعليم في خانة الأولويات.

حاولت التقرب من بعض التلاميذ و أولياء أمورهم و بعض أطر التعليم للتعرف عن قرب عن التجربة الألمانية في هذا المجال فحررت من خلالهم هذا المقال، وأترك للقراء الأعزاء فرصة تحريك عقارب ذاكرتهم إلى الوراء، والعودة إلى ماض بعيد قريب, بسلبياته وإيجابياته، تَمَّ نقشه بإتقان من طرف رجال ونساء صادفناهم في المدارس، ساهموا في بناء شخصياتنا بضعفها وقوتها و عقدها فأصبحت ذكريات لقائهم جزء من حياتنا، والمقارنة بين تعليمنا و تعليم من تفوقوا علينا فيه، هذا مع الإشارة إلى وجود بعض الاختلافات في المناهج والطرق التربوية من ولاية لأخرى إذ أن هناك فرق كبير بين مدارس شمال ومدارس جنوب ألمانيا.

يعتبر الدخول المدرسي بألمانيا حدثا مهما بالنسبة للصغار، حيث تبدأ الاستعدادات لهذا اليوم أسابيعا قبل موعد الدخول المدرسي خلال العطلة الصيفية، لا عن طريق تقزيم الميزانية الشهرية للأسر، بل يتلقون عن كل مرشح للذهاب إلى المدرسة مبلغا يصل إلى 100أو 120 "أورو"هذا إضافة إلى المبلغ الشهري الذي يتقاضوه عن كل طفل، تلك المبالغ هي أصلا ليست مخصصة لشراء القناطر المقنطرة من الكتب، الأمر الذي يخلف أضرارا جسيمة على ميزانيات ونفوس ذوي الدخل المحدود و أيضا على أجساد الصغار وبالتالي على مردوديتهم بعد نهاية الموسم الدراسي كماهو حال إخواننا في المغرب، بل هي فقط لتوفير جو احتفالي يليق بهذا اليوم حتى يستوعب الصغير أهميته، أما ما يحتاجه من الكتب والمقررات فيحصل عليها عند بداية الموسم من مكتبة المدرسة بالمجان شريطة أن يعيدها قبل نهاية العام، لتكتفي الأسر فقط بتوفير أشياء بسيطة يكون ثمنها غالبا بسيطا، لذلك فلا يعتبر الدخول المدرسي هنا مكلفا.

وتحرص العائلات الألمانية على الاحتفال بذهاب صغارهم أول مرة إلى المدرسة، حيث يتم الإعداد لهذا الحدث عن طريق شراء الهدايا من طرف جميع الأقارب و المعارف و أحيانا من الجيران، ليتسلم الطالب الصغير في ذلك اليوم كيساً مليئاً بالمفاجآت، بل حتى المدرسون يُعِدون بعضا من الحلويات يستقبلون بها تلاميذهم الجدد لإزالة كل الحواجز بينهم، و كي لا يتحول المدرس إلى قائد عسكري في مخيلة البعض بل كصديق أو كفرد من أفراد العائلة، فإنه يشجعهم على التعبير عن رأيهم بدون قيود، تماما كما لوأنهم أشخاص بالغون, لهم قيمتهم و مكانتهم في المجتمع، أي محاولة ربط علاقة صداقة بين جيلين متباعدين أساسها العلم و التعلم و الاحترام المتبادل.

ويعتبر تعنيف أو إهانة التلميذ بسبب أو بدونه من طرف المدرس أمام زملائه من الكبائر التي يعاقب عليها القانون الألماني بالسجن و الغرامة والمنع من مزاولة المهنة، لذلك فهناك سلسلة من الأساليب العقابية السلمية الأكثر فعالية التي يلجأ لها المدرس في حق المشاغبين، ويتم في أقصاها بعث التلميذ إلى المجلس التأديبي الذي لا يعمل على توبيخه بل على محاولة إصلاح الإعوجاج بكل هدوء و بتنسيق مع الآباء حتى لا تصبح المدرسة جحيما أو سجنا لا يطاق, وأيضا تجنبا لخلق أي عداوة بين المدرسين وتلاميذهم.

ويحرص المدرس على مشاركة الجميع في مراحل الحصة داخل الفصل دون تهميش لهذا وتشجيع للآخر، لكي لا ينمِّي الإحساس بالغيرة و الحسد لدى البعض و التكبر والغرور لدى البعض الآخر، لذلك يتم تعويدهم منذ الصغر على الاندماج في ما بينهم على شكل مجموعات, يتقاسمون الأدوار، يتبادلون المعلومات ويساعدون بعضهم البعض دون أي نوع من الأنانية والانعزال، ولتحقيق هذا الهدف يتم إلحاق اختصاصيا في علم النفس بكل مدرسة يكون على علاقة دائمة بالتلاميذ و مدرسيهم و أولياء أمورهم وعلى علم بكل ما يحيط بهم لإصلاح كل اعوجاج في شخصية الطفل قبل فوات الأوان.

ويتم جمع تلاميذ القسم الأول مع أقرانهم من القسم الثاني في فصل واحد لذلك فالجدد هم فقط ضيوف بين القدامى, حيث يجب أن يجلس تلميذ من القسم الثاني إلى جانب آخر من القسم الأول، ليشارك الطلاب أيضا معلمهم في تلقين زملائهم دروسا في الاعتماد على النفس والانضباط، عن طريق تقليد بعضهم البعض, وتكرار الصغار للسنة الأولى هي فقط فرصة لتقوية الإحساس بالمسؤولية لديهم وتطوير شخصياتهم بأنفسهم أما المعلم فيكون متفرغا فقط لتلقينهم أصول الكتابة والقراءة، والحساب.

ولتكسير الروتين لدى التلاميذ فإن المؤسسة تنظم سلسلة من الخرجات الترفيهية لفائدتهم بعد اتفاق مسبق مع الآباء، يتم خلالها تعريفهم بمختلف المراكز العلمية والفنية و الرياضية التي تزخر بها ألمانيا، كالمتاحف و الملاعب، و المسارح، و دور السينما، هذا إضافة إلى بعض الرحلات التي يتم تنظيمها خارج ألمانيا، يحتك خلالها الصغار بعادات و تقاليد الآخرين، وأيضا لتحسين مستواهم في اللغات الأجنبية التي يدرسونها.

ويلعب التوجيه المدرسي دورا مهما في حياة التلميذ حيث تتوفر كل مدرسة على قسم خاص بالتوجيه يعمل على إعطاء دروس في طريقة اختيار المسالك التي تلبي رغباتهم وكدا الشروط التي يجب توفرها للحصول على مقعد في إحدى الشعب كما يتم تنظيم أسابيع خاصة بمهن المستقبل ليتعرف التلاميذ على كل ما يرغبون في ممارسته عن طريق تنظيم زيارات لبعض ميادين العمل, وتخصص المدارس يوما من أيام السنة يذهب خلالها الطالب رفقة أمه أو أبيه إلى مقر عمله يحرر بعدها تقريرا عن تجربته كمتدرب إلى جانب والده أو والدته.

وتعمل المدرسة على ربط علاقة دائمة مع الآباء من خلال تنظيم أيام خاصة بهم والتعرف على آرائهم والإصغاء لهم ولرغباتهم وانتقاداتهم، والتنسيق والاتفاق معهم على الأيام التي يتلقى فيها التلميذ الواجبات، وتعريف الآباء باليوم الذي يجب عليه فيه تقديمها لمدرسه, وغالبا ما تكون نهاية الأسبوع خالية من الواجبات المدرسية لخلق فجوة و متنفس للتلميذ لممارسة هواياته مع آبائه، ولا يتعرض المدرسون للتفتيش من طرف مبعوث من مندوبية الوزارة، بل من طرف الآباء عن طريق المراقبة الدائمة لمستوى أبنائهم، فإذا اتفق هؤلاء على تغيير مدرس ما لعدم كفاءته، فإن المؤسسة تحوله مباشرة إلى مهمة أخرى، ويعتبر عدم حضور أحد الأبوين على الأقل لليوم المخصص للقائهم بالمدرسين بدون سبب دليلا على عدم اهتمامهم بابنهم، الأمر الذي يمكن أن تستغله الجهات المختصة في أخد الطفل من والديه و بعثه إلى إحدى مراكز تربية الأطفال المتخلى عنهم، آنذاك يكون الأب ملزما بدفع مصاريف ابنه للمؤسسة التي تكفلت به، وفي حال عدم قدرة الآباء على تسديد مصاريف ابنهم، فإن الدولة تتكفل به ويتم تسجيل تلك المصاريف على شكل ديون تسترجعها منهم بعد حصولهم على عمل.

ولا توجد بألمانيا مراكز خاصة بتكوين الأساتذة و المعلمين تكلف الدولة الملايين من الأغلفة المالية و الآلاف من المؤطرين و...و... بل يتم تكوينهم داخل مدرجات الجامعة غير معزولين عن الآخرين، يتلقون فيها تعليما جامعيا عاديا كل حسب التخصص الذي يرغب في تدريسه مع وجود بعض الاختلافات، وعلى الطالب أن ينجح في وحدات عامة تهم التخصص الذي سيدرسه وأخرى مهنية خاصة بالراغبين في مزاولة التدريس كعلوم التربية أو البيداغوجيا، و بعد حصول الطالب على شهادته فإنه يغادر الجامعة كأي متخرج منها ليبدأ مشواره المهني بنسفه عن طريق البحث عن مدرسة تحتاج مدرسين من تخصصه، و بعد حصوله على العمل يمضي العقد مع المسؤولين عن المؤسسة التي يرغب التدريس فيها, ولا وجود لأي تدخل من الوزارة في مكان تعيينه أما إذا وجد المتخرج صعوبة في الحصول على عمل، و هذه حالات استثنائية و غير موجودة لأن ألمانيا تعاني أصلا من نقص في أعداد المدرسين، فإن مكتب الشغل يتكفل به وبمصاريفه إلى غاية نجاحه في الحصول على عمل.

وبالرغم من جودة وقوة هذا القطاع بألمانيا، إلا أنه لا يخلوا من مشاكل يستحيل القضاء عليها، كانتشار ظاهرة التدخين و تناول المخدرات والعنف بين المراهقين, هذا الأمر, تستغله بعض الحركات العنصرية للهجوم على أبناء المهاجرين المتورطين في ذلك بالرغم من أنها حالة عامة لا تفرق بين هذا وذاك، وتعمل المصالح الأمنية على مراقبة التلاميذ خارج المدارس، وإذا ُسُجِّل غياب لتلميذ ما بدون مبرر، فإن المدرسة تتصل مباشرة برجال الشرطة يباشرون فورا بحثهم عن سبب الغياب بالاتصال بأسرته، وتتم مراقبة المتمردين بالمدارس من خلال أسرهم عن طريق تكليف مختص اجتماعي بمرافقتهم قصد تحديد الخلل و محاولة إصلاحه انطلاقا من جدوره، وفي حال صعوبة الاندماج واستحالة الانضباط فإنهم يحولونهم إلى مدارس خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة قصد مساعدتهم وليس معاقبتهم.

حقيقة أنه لا مجال للمقارنة بين نظام التعليم المغربي والألماني لكن ليس مستحيلا أن نؤسس تعليما قادرا على مواجهة تحديات هذا العصر، فقوة هذا القطاع هي أساس تقدم الشعوب وازدهارها وأنه لا مجال لإصلاحات ترقيعية مؤقتة بدون هدف, بل لإرادة حقيقية ووعي كبير بأهمية هذا القطاع، فالمسؤولون الألمان مثلا لا يعتمدون على اقتراحات وضغوط نواب الأمة في تطوير التعليم، بل على تقارير الباحثين في الجامعات و المعاهد المتخصصة في دراسة مشاكله تلك البحوث يتم تخزينها على شكل معطيات تكون رهن إشارتهم للاعتماد عليها في الخروج بإصلاحات حقيقية و فعالة، والفلسفة المُتَّبعة هي، للرفع من جودة المنتوج يجب تطوير أساليب ووسائل المنتج وتحفيزه, والمنتجون هنا هم الآباء وأطر التعليم في نفس الآن أما وسائل الإنتاج فهي البيت، والمدرسة و محيطهما معا.

09.11.2009

البحث عن الزمن الضائع


أحيانا، يساورك سأم عميق ومفاجئ من كل شيء، خصوصا عندما ترى السياسة وقد تحولت إلى عبث، ومطالب الناس تقابل بالقمع في الشوارع، وأصواتهم يتم خنقها حتى لا يصل أنينها إلى الأسماع.
فجأة تسأم نفسك وعملك ونجاحك، تسأم سماع شكاوى الناس ومشاكلهم، تريد أن ترجع خطوات إلى الوراء، أن تعود ذلك المواطن النكرة الذي كنته ذات وقت، تتجول في الشوارع دون أن ينتبه إليك أحد، تجلس على رصيف أول مقهى تصادفه دون أن يأتي أشخاص لا تعرفهم يصافحونك ويجلسون ليقاسموك طاولتك، ويحكون لك قصص حياتهم بالتتابع.
تتمنى أن تسترجع صورتك الضائعة حيث ملامحك الطبيعية الأولى الهادئة والخالية من التوتر والغضب، أن تعود إلى أصدقائك القدامى الذين تقاسمت معهم الأقسام الباردة في الثانوية، والشعارات الصاخبة في ساحة الجامعة، وقصص الحب الفاشلة على العتبات الأولى للحياة.
فجأة، يساورك سأم جارف من جلسات النفاق الاجتماعي في فنادق الخمس نجوم التي يدعوك إليها أشخاص تافهون يعتقدون أنفسهم مهمين بالنسبة إلى العالم. تشتاق إلى جلسات المساء فوق ربوة في ضواحي مدينتك الصغيرة، تراقب أسراب الطيور وهي تعود إلى أعشاشها لتطعم صغارها. تشتاق إلى رؤية الأفق ملطخا بحمرة الغسق، والشمس المتمايلة إلى الغروب، قبل أن تعود إلى البيت لتأكل خبز الأم المدهون بالسمن وتجلس إلى حضن الجدة لتحكي لك حكاية الغولة التي تشبه الوطن، والتي من شدة الحرص على أبنائها أكلتهم.
يحدث أن تتعب من اسمك، وتتمنى أن يكون لك اسم آخر لا يثير الانتباه عندما ينادي عليك به أحدهم. تتعب من احترام الناس لك، وتشتاق أحيانا إلى أن يعاملك الناس كأي نكرة، باحترام أقل وكلمات خالية من الأدب المصطنع. تتمنى أن تعود كما كنت في السابق، أن تستيقظ في الصباح وتجمع ثيابك القليلة في حقيبة ظهرك وتأخذ القطار إلى مدينة لا تعرف فيها أحدا. مدينة تنام فيها بعد الظهر في قاعة السينما وفي الليل تنام في المحطة الطرقية، وعندما يأتي الصباح تتناول قهوتك مع عمال النظافة في المقاهي البسيطة. ولا أحد هناك ليسأل عنك في الهاتف، ولا عمل ينتظرك في مكان ما، ولا رسائل إلكترونية تنتظر إجاباتك ولا دعوات كريمة تنتظر أن تلبيها.
أحيانا يساورك سأم عميق من وطنك، وتتمنى فقط أن تشتري تذكرة ذهاب بلا إياب إلى وطن آخر، وبمجرد ما تصل وتضع حقيبتك تبحث لك عن امرأة أخرى تتزوجها وتنجب أطفالا آخرين وتصبح لك جنسية أخرى لا تثير الشبهات وجيران آخرون لا يثيرون أعصابك كل يوم برمي أعقاب سجائرهم فوق ثيابك المنشورة فوق حبل الغسيل.
تسأم من هؤلاء السياسيين البليدين جدا والأنانيين جدا والأميين أحيانا، والذين يدعون دائما تمثيلنا ويأخذون الكلمة دائما بأسمائنا في كل المناسبات. تتمنى أن تستريح من رؤية وجوههم السمينة والمملة التي قضينا حياتنا السابقة مضطرين إلى تحملها في الجرائد والتلفزيون والجامعات والمقرات الحزبية والنقابية.
تسأم من اليمين المنافق واليسار المخادع والوسط المتواطئ، وتتمنى لو أنك في جزيرة بعيدة بلا أحزاب، بلا برلمان، بلا حكومة. تعيش على السمك وحبات الجوز ومياه الينابيع، بلا شعارات، بلا برامج، بلا أكاذيب.
تتمنى أن تقضي وقتك في قراءة الخطوط على راحة كفك عوض قراءة الجرائد، وفي عد النجوم بالليل عوض عد الأيام التي تفصلك عن موعد تسلم راتبك.
تسأم العودة المتعبة في المساء إلى نفس البيت، وتسأم جلستك كل ليلة جنب رف الكتب نفسها، وتسأم الساعات الطويلة بهاتفك المحمول فوق أذنك متحدثا إلى الأشخاص أنفسهم حول المواضيع نفسها، وتتمنى أن تعيش بقية عمرك بلا تغطية حتى لا يفلح أحد في الاتصال بك، وبلا عنوان ثابت حتى تضيع الرسائل خلفك إلى الأبد.
تسأم الأوراق وأقلام الحبر ورسائل الغرباء، وتتمنى أن تهيم على وجهك في الغابات تكتب أسماء النساء اللواتي أحببتهن بغصن فوق التراب الطري، وتتأمل كلمات الحب والقلوب المحطمة التي يرسمها العشاق على جذوع الأشجار.
تسأم المدينة المتسخة وشوارعها القذرة المزدحمة بالمارة العجولين، وتسأم زعيق أبواق السيارات المجنونة، وتتمنى أن تعود إلى الجبل حيث عاش أجدادك قبل مئات السنين، هناك حيث أشجار الزيتون وحقول الشيح هي كل ثروتهم على هذه الأرض، بالإضافة طبعا إلى احتياطي فادح من الكرامة.
تسأم من رؤية كل تلك الجيوش من العاطلين والمتسولين والأطفال الضائعين في الشوارع، كل أولئك الفتيات مكسورات الجناح الجالسات في المقاهي بانتظار من يشتري منهن لحمهن الطري. يصيبك القرف من رؤية مبنى البرلمان محايدا وصامتا وبلا معنى وسط العاصمة. تشعر بالغضب وأنت ترى الحكومة مرتبكة والمعارضة مقطوعة اللسان والجميع متفق على احتراف الصمت مهنة أبدية.
وتتمنى أن تكون لديك عصا سحرية لتضرب بها رؤوس كل هؤلاء وتحول البرلمان إلى مكان يتشاجر فيه النواب دفاعا عنا عوض أن يناموا، وتضرب بها رأس الحكومة فيتحول وزراؤها إلى شخصيات حكومية عوض أن يبقى بعضهم مجرد شخصيات بهلوانية تمثل في مسلسل هزلي لا يضحك أحدا.
تسأم التلفزيون ومذيعيه السخيفين الذين يبتسمون ببلاهة ويضحكون بلا مناسبة، تسأم برامجه التي تصيب بالضغط الدموي والانهيار العصبي، وتتمنى لو أنك تفرغ الجهاز من أسلاكه وتحوله إلى أكواريوم تربي فيه الأسماك، بدل رؤية هؤلاء المذيعين يربون المواطنين يوميا على البلادة.
تسأم الشعب وشكواه التي لا تنقطع، الدولة وحماقاتها، تسأم الأغنياء وتفاهة أفكار بعضهم، وتسأم الفقراء وكثرة بكائهم، تسأم المقاهي وجلساتها، الجيران وضوضاء أطفالهم، البيت ورائحة الأحباب الذين غابوا عنه.
تسأم الشارع وأشجاره التي يتبول على جذوعها السكارى في آخر الليل، التاكسي وسائقه الذي يريد أن يتحدث في كل المواضيع، تسأم الشعب الذي يريد كل شيء ولا يريد بالمقابل أن يضحي بأي بشيء.
تسأم رؤية كل هذا الظلم دون أن تكون قادرا على فعل أي شيء لصالح المظلومين، وهذا المنكر دون أن تكون قادرا على تغييره، وهذا اللعب بمصائر الناس دون أن تكون قادرا على إطلاق صفارة إنذار لإعلان نهاية هذه الملهاة السخيفة التي طالت أكثر من اللازم.

02.11.2009

حلبة اسمها الوطن


نحن جيل تعود على الخسارة. كبرنا في حضن الخوف، لذلك أصبحت لدينا عندما كبرنا ملامح المهزومين.
فجأة جئنا ونزلنا ضيوفا على عائلاتنا كثيرة الأطفال. بعضنا جاء بسبب خطأ جسيم في حساب دورة والدته الشهرية، وبعضنا الآخر جاء عن سبق إصرار وترصد.
جئنا ووجدنا قبلنا إخوانا لنا وأخوات، وانتظرنا أن يتركوا لنا أحذيتهم وملابسهم التي لم تعد على مقاساتهم. انتظرنا أن يتركوا لنا دفاترهم المستعملة وسلسلة مطالعة «إقرأ» التي سنتوارثها بالدور مثل ثروات ثمينة، لكي نتركها نحن أيضا للذين سيأتون بعدنا.
فنحن أبناء الفقراء لا يترك لنا الذين سبقونا في عائلاتنا مناصب في الحكومة ولا في الدولة، بقدر ما يتركون لنا ملابسهم الضيقة ودفاترهم المستعملة، وأحيانا أمراضهم التي نتوارثها أبا عن جد.
الأمهات يحملن بنا بانتظام كل سنة، والآباء يفتلون شواربهم الصفراء بسبب المرق والتبغ الرديء. يدمنون القيلولة بعد الأكل ونشرات المذياع الرسمية السخيفة، ويقولون عندما نطلق صرخة الحياة الأولى إن كل واحد منا ينزل من بطن أمه ينزل متأبطا خبزه. ونسوا أن أغلبنا عندما نزل من بطن أمه وكبر وأصبحت له شوارب ووجد نفسه بلا عمل، تأبط مكان الخبز سيفا ونزل إلى الشارع يعترض سبيل الناس.
أرسلونا إلى الفقيه ليحفظنا سور القرآن في الصباح، وفي المساء جداول الضرب والقسمة ومحفوظة «قولوا معانا يا اللي تحبونا تحيا مدرستي أمي الحنونة». وكم قست علينا المدرسة الحنونة عندما دخلنا إلى فصولها الباردة وأوقدنا فيها شموعنا بسبب مساءاتها الماطرة التي ينزل فيها الظلام بعد العصر.
تحملنا سوط الفقيه وبرودة الحصير ورائحة الصلصال في الشتاء ونحن نحك به ألواحنا الخشبية. وفي الصيف، تحمّلنا شمس غشت اللافحة وحاربنا الملل بالسباحة في برك آسنة مشكوك في نظافتها.
عندما داهمنا الجوع في البراري الفسيحة اقتلعنا جذور النباتات ومصصنا سيقانها الحامضة، وعندما عطشنا شربنا من ماء العين ذي الطعم الغريب، تلك العين التي اكتشفنا عندما كبرنا أنها كانت مخلوطة بقنوات الوادي الحار.
تعلمنا الصلاة لنصير أطفالا صالحين، وبدأنا نذهب إلى نافورة المسجد لنتوضأ ونرش المياه ونبلل ثياب بعضنا البعض، لاعبين غير عابئين بذنوبنا الصغيرة. طردنا الإمام الملفوف في جلابيبه الكثيرة، توعدنا بأن يغطس رؤوسنا الصغيرة في حوض المياه حتى نختنق واحدا واحدا. خفنا وهربنا من المسجد. ذهبنا إلى ضريح الولي الصالح نلهو حول قبوره المصبوغة بالجير الأبيض، هناك حيث يرتاح رفات الآباء والأجداد. نأكل التمر والتين المجفف الذي تجلبه النساء وتوزعنه على الفقراء الذين يتزاحمون أمام باب المقبرة. سرقنا شمع الولي الصالح وأضأنا به أزقتنا المظلمة التي يسرق موظفو البلدية الجشعون ميزانيات مصابيحها.
نهبنا السكر الذي تضعه النساء قرب قبر الولي الصالح، وأكلناه مع الخبز. الولي الصالح سيسامحنا لأنه يعرف أننا مجرد أطفال جائعين. عندما ننتهي من ضريح الولي الصالح نمر بمقبرة النصارى حيث القبور مزينة بصور أصحابها وبورود رخامية ملونة. ما أشد اختلاف قبورهم عن قبورنا، قبور المسلمين يكبر فوقها الشوك والعليق ويسكر حولها المشردون، وقبور النصارى مغطاة بأكاليل الورود.
أدخلونا إلى المدرسة الحكومية لنتعلم النحو والقواعد ودروس التاريخ، حيث جيوش البيزنطيين والرومان والوندال الذين مروا بالمغرب وتركوا قلاعهم وحصونهم والنقود التي سكوها بأسمائهم.
بدأنا نتهجى التلاوة الفرنسية حيث ترعى عنزة السيد «سوغان» والطفل الأسود «باليماكو» الذي يتسلق النخلة الباسقة.
تلعثمنا كثيرا قبل أن ننطق حروفنا الأولى بالفرنسية، «مينا جولي مينا ميكي جولي ميكي».
تبولنا في محبرات بعضنا البعض على سبيل اللهو. حفرنا عشرات الأمتار المربعة بحثا عن جذور تلك النبتة البرية التي عندما تحكها على قفا التلميذ يتحول من طفل وديع إلى بغل هائج.
مددنا أكفنا الصغيرة والمرتجفة للعصا، وعندما عذبنا معلمونا بالضرب نزلنا إلى الحقول نبحث عن تلك النبتة السحرية التي عندما تحكها فوق راحة يدك تصبح مستعدا لتحمل عصا المعلم بلا بكاء.
ومع ذلك آلمنا كل شيء. آلمونا وهم يضربوننا بينما نحن أمام باب السينما ننتظر «الأونطراكت».
ضربونا ونحن ننتظر ربع الساعة الأخير من الشوط الثاني لندخل إلى ملعب كرة القدم لنتفرج على آخر أنفاس المباراة التي كانت دائما تخسرها «الحسنية» قبل أن تهبط إلى أسفل سافلين.
ضربونا ونحن نتزاحم أمام باب المسبح البلدي في انتظار أن يمنحنا الحارس العشر دقائق الأخيرة لنغطس أجسادنا المحترقة من الحر في مياه نصفها بول ونصفها الآخر «جافيل» و«كلور».
لطالما أخرجونا من المدارس وجمعونا وفرقونا على طول الطرقات لكي نقف تحت الشمس في انتظار أن يمر وزير أو عامل. وعندما يصل وسط الزغاريد والتصفيقات يدس ورقة داخل ثقب في حائط صغير يسمونه حجر الأساس، يأمروننا أن نصفق فنصفق، يطلبون منا أن نلوح بالرايات فنلوح بالرايات. وفي المساء، نعود إلى أمهاتنا وعلى وجوهنا تباشير الحمى بسبب كل الوقت الذي قضيناه تحت الشمس.
علمونا أن الوطن هو الراية التي نقف أمامها كل صباح قبل الدخول إلى القسم لكي نردد «منبت الأحرار مشرق الأنوار»، ولم يشرحوا لنا لماذا كان أبناء الجنود، الذين كانوا يقاتلون من أجل الوطن في الصحراء، يأتون إلى المدرسة بثياب ممزقة ويصطفون أمام باب المطعم لكي يأخذوا نصيبهم من رغيف الخبز المعجون بقمح وكالة التعاون الأمريكية.
حقنونا في المدرسة بأدوية منظمة الصحة العالمية وحقن «البي سي جي» حتى لا ننقرض بسبب الجراثيم والأوبئة التي كانت تزورنا أكثر مما كان يزورنا موظفو الحكومة. وأفرغوا في عيوننا أطنانا من أنابيب «البوماضا» لمحاربة العمش، حتى ينقشع المستقبل المخيف أمامنا بوضوح.
كبرنا هكذا، بقسوة كبيرة وحنان أقل. كان علينا أن نكبر بمشقة، مثل نباتات وحشية في غابة بأشجار ضخمة تحجب عنها ضوء الشمس. تشبثنا بالأمل، ورفعنا رؤوسنا نحو الأعلى لنحصل على حصتنا من الضوء. وعندما أخرجنا رؤوسنا إلى العالم وتنفسنا الصعداء، وجدناهم مرة أخرى واقفين بسياطهم في انتظارنا.
ضربونا عندما طالبناهم بشغل، طردونا ونحن نقف أمام أبواب مكاتبهم الحكومية المكيفة.
طردونا عندما جئنا نطلب جوازات سفر لنتابع دراستنا في الخارج. أريناهم شهادات تسجيلنا في جامعات أوربا وأمريكا وعرضنا أمامهم نقطنا الجيدة التي حصلنا عليها بسهرنا الطويل. أريناها للحمير الذين لا شواهد لهم، فأخرجونا من مكاتبهم وطردونا بعد أن تذكروا نقط أبنائهم المدللين والكسالى ورتبهم المخجلة. ولكي يريحوا ضمائرهم المتعفنة نصحونا بالتعرف إلى بلادنا جيدا قبل الذهاب إلى بلدان الآخرين. الأنذال، ضيعوا مستقبل الآلاف منا بجرة قلم.
بقينا أخيرا هنا كما أرادوا، وفجأة فهمنا لماذا أرادونا أن نبقى معهم. لقد كانوا محتاجين إلى جيل كامل لكي يجربوا فيه حقدهم. حقنونا كل مساء بالمهدئات في نشرات الأخبار لكي لا ننفجر في وجوههم مثل بالونات هواء، وشرعوا يكذبون علينا في الحكومة والبرلمان. تناوبوا علينا بأحزابهم مثلما تتناوب عصابة من المنحرفين على امرأة وحيدة تعود إلى البيت بعد يوم عمل شاق. وعندما تعبوا منا رموا بنا إلى الشوارع وتركونا نقطع الطريق على بعضنا البعض بالسيوف الطويلة وشفرات الحلاقة وقنينات الماء الحارق.
تمنينا أن نصدقهم ذات يوم وهم يتحدثون عن مصلحتنا ومستقبلنا.
تمنينا أن نصدقهم ذات يوم وهم يتحدثون باسمنا في كل مكان.
تمنينا أن نصدقهم ذات يوم وهم يعترفون لنا بالحب كلما اقتربت الانتخابات.
الكذابون المحتالون المنافقون.
شخنا قبل الأوان بسببهم ونخرت عظامنا الأمراض المزمنة وطورنا في خلايانا جينة اليأس.
كرهونا في البلاد حتى أصبحنا نرى أن الحل الوحيد لكي لا نصاب بالجنون هو أن نجمع حقائبنا ونغادر، مثلما تغادر امرأة تعيسة بيت زوجها السكير الذي يحطم أضلاعها كل ليلة. نغادر كلنا ونتركهم وحدهم يكذبون ويصدقون أكاذيبهم. نحن فئران التجارب الذين لم يتركوا مخططا خماسيا أو عشريا إلا وجربوه فينا. والنتيجة هي ما نراه الآن، جيل ضائع يسير نحو الخيبات بخطوات ثقيلة.
هزمونا بالضربة القاضية، ومع ذلك لا زلنا نترنح فوق حلبة الوطن ونرفض أن نسقط ليرفع الحكم ذراعه الغليظة ويمنحهم الكأس التي سيشربون فيها نخب هزيمتنا.
هزمونا غير أننا مازلنا واقفين نبتسم في وجوههم بسخرية لكي يفقدوا لذة النصر.
هزمونا في هذه الجولة، غير أنهم نسوا أن المقابلة لم تنته بعد وأن أمامنا العمر كله للاستعداد للجولات القادمة.