30.06.2009

مَال مُّكْ مزغب


للصينيين مثل شائع يقول «عندما يشير العاقل بأصبعه إلى القمر فإن الأحمق ينظر إلى الأصبع».
هذا المثل ينطبق على الذين أعطوا الأمر للنيابة العامة لكي تفتح تحقيقا وتستمع إلى الزملاء الصحافيين في «الأحداث المغربية» حول ما نشروه بخصوص الفساد الذي عرفته الانتخابات الأخيرة.
فقد كان أولى بهم إعطاء أوامر للنيابة العامة بالاستماع إلى كل الذين حولوا هذه الانتخابات إلى رحبة للمزايدة في الأصوات، وليس إلى الصحافيين الذين قاموا بواجبهم و فضحوا هؤلاء «الشناقة».
لكن بما أننا في المغرب، فإن من يفضح الفساد هو الذي تتم متابعته، فيما يغض الطرف عن المفسد. وقد رأينا كيف استشاط الجنرال حسني بنسليمان غضبا عندما نشر قناص الدرك أشرطته في موقع «يوتوب»، وعوض أن يطلق حملة للبحث عن المرتشين في صفوف رجاله أطلق حملة للبحث عن صاحب الأشرطة.
وفي سيدي إفني عندما صور مواطن مشاهد اعتداء رجال الجنرال العنيكري على المواطنين، أغلقت المحكمة عينيها عن مشاهد الاعتداء الوحشي على الأبرياء وحكمت على صاحب الشريط بستة أشهر حبسا نافذا.
والأمثلة على هذا الحول القضائي توجد بلا عدد في المغرب. والغاية من متابعة فاضحي الفساد والظلم هي تخويف الآخرين من مغبة اتخاذهم مثالا وقدوة. ولذلك يعاقبهم القضاء حتى يكونوا عبرة لكل من يفكر في لعب دور «روبين ديبوا».
وعلى رأس هؤلاء المعاقبين اليوم في المغرب نجد الصحافيين. وقد وصلنا في الفترة الأخيرة حدا من الاستصغار والاحتقار أصبحنا معه في نظر الكاتب العام لولاية الرباط مجرد «ناموس» و«دبان» يجب رشه بالمبيد الحشري. ورغم أن صحافيي القناة الثانية سجلوا بالصورة والصوت هذه الشتائم البذيئة التي رشهم بها الباشا «ركراكة»، فإن مديرة أخبارهم لم تبادر إلى رفع دعوى قضائية ضد هذا الموظف الذي وصل سن التقاعد ومددوا له في الخدمة لقدراته الباهرة في شتم وسب كل من يقف في طريقه.
مع أن مدام «سيطايل» لم تتورع عن رفع دعوى قضائية ضد مدير «لوجورنال» عندما شتمها وسجلت الصحافية التي جاءت لاستجوابه شتائمه بالصوت والصورة، فقدمت المديرة الشريط كدليل إدانة أمام المحكمة.
ولعل خير من عبر عن هذه الأزمنة الرديئة التي يجتازها الصحافيون المغاربة اليوم، هو زيان، كبير المتخصصين في جر الصحف والصحافيين أمام القضاء. فقد قال في حواره مع «الجريدة الأولى» إن أغنى المحامين في إسبانيا هم المحامون المتخصصون في محاكمات الصحافة. وعندما سألته الجريدة حول ما إذا كان قد اختار هذا التخصص فقط من أجل جني المال، أجاب بأن هذا التخصص «عندو مستقبل». أي أن كل من أراد الاغتناء اليوم في المغرب فما عليه سوى أن يتخصص في رفع الدعاوى ضد الصحافة، والباقي سيتكفل به السادة القضاة.
ومن غرائب الصدف أن يقول زيان هذا الكلام في اليوم نفسه الذي صدر فيه ضده حكم في محكمة الدار البيضاء بدفع تعويض وغرامة لصالحي بعد أن أدانته المحكمة بتهمة السب والقذف. والمدهش في هذا الحكم أن الغرامة لم تتجاوز ستة ملايين سنتيم، في الوقت الذي حكمت له المحكمة ضدي بستين مليون سنتيم. فيبدو أن الكرامة والشرف والسمعة أصبحت لديها أسعار متفاوتة في نظر المحكمة الموقرة.
وفي الوقت الذي تساوي فيه كرامتي ستة ملايين نجد أن كرامة زيان تساوي ستين مليونا، وكرامة القاضي تساوي مائة مليون، مثلها مثل كرامة ملك ملوك إفريقيا الذي حكمت له المحكمة بمائة مليون لكل واحدة من الجرائد الثلاث التي يتابعها.
وفي رأيي، فالحكم الذي أصدرته المحكمة والذي حدد التعويض عن المس بكرامة ملك الملوك في مائة مليون لكل جريدة، سيعتبره هذا الأخير مسا جديدا بقداسته. فهو حدد سعر كرامته في ثلاثة ملايير لكل جريدة، واختزال هذا السعر في مائة مليون سنتيم فيه إهانة لقدسيته.
لذلك لا أستبعد أن يلجأ ملك الملوك إلى متابعة الهيئة القضائية التي حكمت لجلالته بهذا البقشيش التافه الذي لا يكفيه حتى لمكافأة خدم المطاعم التي ينزل ضيفا عليها في رحلاته.
ومن يقرأ العدد الأخير من الجريدة الرسمية الصادرة عن البيت الأبيض، سيندهش وهو يكتشف السعر الخيالي الذي اشترى به القذافي القلادة التي أهداها لكنداليزا رايس عندما زارته. وفوق هذا وذاك، نقش عليها صورته وكأنه يظن أن كوناليزا ستضع هذه القلادة حول عنقها لكي تتملى بطلعته البهية كل صباح أمام المرآة.
ولعل النكتة التي تنطبق على الصحافيين المغاربة اليوم هي نكتة «مال مك مزغب»، وللذين لم يسمعوا بها من قبل فهي تحكي مأساة قرد تعود ملك الغابة على تعنيفه وضربه في كل مرة يصادفه فيها على طريقه بتهمة أنه «مزغب»، فلاحظ الثعلب أن صورة ملك الغابة في عيون حيواناته قد تضررت بسبب هذا الشطط، فأفتى عليه بأن يجد ما يبرر به حقده على القرد، كأن يطلب منه الإتيان بشيء وعندما يخطئ القرد يضربه الأسد، وهكذا سيجد الجميع أن القرد نال ما يستحقه.
فأعجب الأسد بالفكرة ونادى على القرد وطلب منه أن يذهب ويحضر له بيضة وهو يقول في نفسه إن القرد سقط في الفخ، فإذا أتاه ببيضة نيئة سيضربه بحجة أنه كان يريدها مسلوقة، وإذا أتاه ببيضة مسلوقة سيضربه بحجة أنه كان يريدها نيئة، يعني أن القرد «واكلها واكلها».
لكن القرد طلع أذكى من ملك الغابة، وبمجرد ما طلب منه إحضار البيضة بادره القرد متسائلا :
- مسلوقة ولا خضرا...
فلم يستطع الأسد صبرا على القرد، وأمسك به وبدأ يضربه وهو يصرخ :
- تا مال مك مزغب مالك...
وهكذا فسواء أحضرنا أمام القضاء ما يثبت براءتنا من التهم الموجهة إلينا نحن الصحافيين أم لم نحضرها فالحكم جاهز منذ البدء. والدليل على ذلك أنني لم أحضر محاكمتي في قضية «ملك ملوك إفريقيا»، ومع ذلك نلت الحكم نفسه الذي ناله الصحافيون الآخرون الذين حضروا أطوار المحاكمة منذ الأول. «كي جيتي كيما جيتي، فيك فيك». المهم أنني على الأقل لم أشارك في مهزلة أعرف منذ البدء من يحرك خيوطها من وراء الستار. إذا كان الوزير الأول ووزارة الخارجية يريدان رأسي فعليهما أن يتحليا بالجرأة ويرفعا دعوى قضائية ضدي باسمهما، لا أن يختفيا وراء عباءة العقيد.
وإذا كانت النيابة العامة التي يرأسها وزير العدل الاشتراكي متحمسة كثيرا هذه الأيام لتحريك المتابعات، فعليها ألا تكتفي بتحريكها فقط ضد الصحافيين الذين يفضحون الفساد، بل أيضا ضد بعض الأمناء العامين للأحزاب، وعلى رأسهم محمد زيان أمين عام الحزب الليبرالي الذي أطلق هذه الأيام اتهامات خطيرة في حق مشروع ملكي، هو مشروع الإنصاف والمصالحة. وذهب إلى حد اتهام الواقفين وراءه والمستفيدين من تعويضاته باللصوص. ومع ذلك لم نلاحظ أي رد فعل من جانب حرزني، رئيس المجلس الاستشاري وأحد المشاركين في مشروع الإنصاف والمصالحة، ولا من جانب صلاح الوديع ولا من جانب بقية ورثة وصية إدريس بنزكري.
وإذا وجدت النيابة العامة أن مثل هذه الاتهامات الخطيرة تدخل في خانة حرية الرأي والتعبير، فإننا نستغرب صمتها وصمت وزير العدل معها، عندما قال الأمين العام للحزب الليبرالي: «أنا الملك نفسو نقدر ندعيه أمام القضاء (...) أنا بلادي عندي حسن من أي مغربي كيما كان نوعو». قبل أن يضيف قائلا: «أنا أقول إن للمغاربة الحق في رفع دعوى قضائية ضد الملك»، معبرا عن استعداده للدفاع عن كل من يرفع دعوى قضائية ضده.
ألا يستحق السي زيان أن تستدعيه النيابة العامة هو أيضا مثلما تستدعينا نحن الصحافيين لكي تحقق معه في ما صرح به للصحافة حول حقه وحق المغاربة في مقاضاة ملكهم، مع أن الدستور واضح في هذا الباب ولا يترك مجالا للاجتهاد.
أليس هذا مسا بالاحترام الواجب للملك من طرف أمين عام حزب سياسي يشارك في «اللعبة» السياسية.
وكيف يسمح وزير العدل، رئيس النيابة العامة، لأمين حزب سياسي بتحريض المواطنين على متابعة ملكهم أمام القضاء، في الوقت الذي تتحمس فيه هذه النيابة لاستدعاء ومتابعة صحافيين لم يقوموا سوى بواجبهم المهني في فضح الفساد والمفسدين.
أم إن الصحافيين يجوز ضربهم وشتمهم وجرجرتهم أمام القضاء فقط لأنهم صحافيون، في الوقت الذي يتلفظ فيه آخرون بأشياء يمكن أن تخل بالأمن العام دون أن يرف جفن لا لوزير العدل ولا لوزير الداخلية ولا هم يحزنون...

الخارجية ديال والو


كان كل شيء مرتبا بعناية لافتتاح الدورة الـ53 لبينالي الفنون المعاصرة العريق بمدينة البندقية الإيطالية. وكانت الكراسي موضوعة بحساب دقيق، فالبينالي الذي تأسس سنة 1893 يعتبر حجا سنويا ضروريا للماركيزات والكونتيسات الإيطاليات العريقات في الأرستقراطية.
هذه السنة، كان للمغرب شرف الحضور في أروقة هذا البينالي ممثلا في شخص فنانين هما ماحي بينبين، ابن الحاج بينبين مؤنس الحسن الثاني، وأخ عزيز بنبين، كابوس الحسن الثاني، الذي قضى 17 سنة في معتقل تازمامارت، والمهندسة فتحية الطاهري، زوجة الفاسي الفهري وزير الخارجية.
وكانت الأمور ستسير على أحسن ما يرام في تلك الأمسية الأرستقراطية، لولا أن مدام كوثر سوني، التي ليست سوى زوجة نبيل بنعبد الله سفير المغرب في روما، قررت أن تقلبها «صباط» بسبب تجرؤ إحدى الماركيزات على مطالبتها بتغيير مكان جلوسها في المقاعد الأمامية المخصصة لإحدى المدعوات الأرستقراطيات.
ولولا الألطاف الإلهية لكانت الأرستقراطية الإيطالية تفرجت في تلك الأمسية على إحدى جلسات «الحماحم» على الطريقة المغربية بين زوجة سعادة السفير وزوجة سعادة وزير الخارجية. وبعد أن بحت حنجرة مدام كوثر بالصراخ والشتم، غادرت الأمسية تجر ذيول قفطانها المغربي. فكوثر بنعبد الله، لمن لا يعرف ذلك، تحمل، بالإضافة إلى لقب حرم سفير المغرب في روما، لقبا آخر هو سفيرة دولية للقفطان المغربي وشحتها به إحدى المجلات النسائية.
ورغم هذه الفضيحة الدبلوماسية التي جعلت قشدة الأرستقراطية الإيطالية تتفرج على وجه من وجوه «الثقافة» المغربية الأصيلة، والتي تطوعت زوجة السفير نبيل بنبعد الله لتقديم نبذة عنها، فإن وزير الخارجية وزوج الفنانة التي «تشابقت» معها كوثر، لم يصدر عنه ولا عن وزارته ما يفيد استدعاء السفير للدخول إلى المغرب أو إقالته من منصبه.
فخطورة ما قامت به زوجة السفير هي تجاهلها أن وجودها إلى جانب زوجها السفير فيه تمثيل لثلاثين مليون مغربي في إيطاليا، وليس تمثيلا لنفسها فقط. ولذلك فكل ما تقوم به ينعكس على صورة المغاربة، حكومة وشعبا، في عيون الإيطاليين.
والحمد لله أن الإيطاليين منشغلون، هذه الأيام، عن فضائح السفراء الأجانب في بلادهم بفضائح رئيسهم برلسكوني ومغامراته الجنسية مع فتيات في عمر بناته. وإلا لتصدر بنعبد الله الصفحات الأولى من جرائد «الطابلويد» الفضائحية بعد «الحيحة» التي قامت بها زوجته في أمسية افتتاح معرض فني من المنتظر أن يزوره 10 ملايين سائح. وهو الرقم الذي اعترف وزير السياحة بفشل المغرب في تحقيقه كما وعد سلفه الدويري الذي تفرغ، بعد الوزارة، لبيع «المسكة». تخيلوا أن معرضا فنيا يجلب 10 ملايين سائح في الوقت الذي تفشل فيه بلاد بأسرها في تحقيق ذلك.
ولعل ما وقع في مدينة البندقية بين زوجة السفير وزوجة وزير الخارجية يدعو إلى وقفة تأمل في ملف بعض السفراء وزوجاتهم. فالمفروض في زوجة السفير أن تشرف المغرب وأن تعكس كل الجوانب الإيجابية فيه، لا أن تعطي عنه صورة مشوشة مهزوزة وفاقدة للذوق والاحترام.
وإذا كان للمغرب سفراء يعانون مع زوجاتهم بسبب مزاجهن المتقلب، فإن هناك سفراء قرروا أن يلتحقوا بسفاراتهم بدون زوجاتهم، في خرق واضح للبروتوكول الدبلوماسي الذي يفرض وجود حرم السفير إلى جانبه. وأبرز من يمثل هذا الخرق الدبلوماسي هو سفير المغرب في بروكسيل، القلب النابض للاتحاد الأوربي. فزوجته، التي ليست سوى سميرة سيطايل نائبة مدير القناة الثانية، قررت البقاء في المغرب للإشراف على «أخبارها» عن قرب، ولم تلتحق بزوجها في مقر السفارة ببلجيكا كما تقتضي ذلك الأعراف الدبلوماسية.
وقد كان مفهوما عدم التحاق سيطايل بزوجها عندما كان مجرد قنصل في «بوردو»، أما وقد ترقى إلى درجة سفير في عاصمة الاتحاد الأوربي، حيث يفترض أن ينزل المغرب بكل ثقله الدبلوماسي، فإن عدم التحاق زوجة سعادة السفير بزوجها يترك المجال لعقيلات سفراء آخرين لشغل المكان، وعلى رأسهن عقيلة السفير الجزائري.
وإذا كان هناك سفراء يتخلون عن صحبة زوجاتهم إلى سفاراتهم، فهناك سفراء وسفيرات «زوافرية» ليس لديهم زوج أو زوجة يذهبون برفقته أو برفقتها إلى سفاراتهم. مع أن الأعراف الدبلوماسية تشترط في السفير وجود «الحرم» إلى جانبه في مناسبات الاستقبال. فليس من اللائق أن يقف السفير أو السفيرة «فرادية» في المناسبات الدبلوماسية، بينما كل السفراء الآخرين يحضرون مصحوبين بحرمهم.
وفي الشيلي لدينا سفير اسمه عبد القادر الشاوي، ذهب إلى سانتياغو بمفرده لعدم توفره على زوجة. أما في البرتغال فلدينا سفيرة اسمها كريمة بنعيش، ذهبت إلى لشبونة بدون زوج. فمنذ طلاقها من الثري بوعزة ناصر، الذي كان أول من ركب يختا في المغرب بعد الملك، لم تقترن برجل آخر.
ويبدو أن تقليد إرسال السفراء «الزوافرية» إلى الخارج ليس جديدا، فحتى في عهد الحسن الثاني عرفت وزارة الخارجية حالات تعيين لسفراء غير متزوجين. ولعل أبرزهن فريدة الجعايدي، ابنة عم عبد الرزاق الجعيدي سفير المغرب بنيويورك والمكلف بالشوبينغ، أخ عبد السلام الجعيدي السفير القنصل العام بباريس والمكلف هو أيضا بالشوبينغ، والتي تنقلت بين ستوكهولم ومونتريال وهي عازبة، ولم تكمل دينها إلا عندما تم تعيينها بسفارة برازيليا.
وفي مسألة العزوبية الدبلوماسية يستوي السفراء والسفيرات. لكن بعض السفراء يتفوقون على نظيراتهم النساء في الاقتران بأجنبيات. ولعل الذين اشتغلوا في الخارجية أيام وجود الاستقلالي محمد بوستة على رأسها يتذكرون تعيين عزيز مكوار، سفير واشنطن الحالي، موظفا في سفارة روما التي كان سفيرها آنذاك هو مولاي مصطفى بلعربي العلوي ابن شيخ الإسلام. وقد رفض مصطفى بلعربي قبول مكوار موظفا لديه في السفارة، لكن إلحاح بوستة وتذكيره بوطنية والده، الذي كان أحد الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال، جعل مولاي مصطفى يقبل به، حيث قضى خمس سنوات تحت خدمته قبل أن ينتقل سفيرا إلى أنغولا بدون زواج. ولم يكمل هو الآخر دينه إلا عندما رجع إلى روما سفيرا فتزوج من أرستقراطية إيطالية من أصل يهودي. مع أن القانون يمنع على السفراء وكبار الدبلوماسيين الاقتران بأجنبيات، حرصا على الأمن القومي من الاختراق الأجنبي.
وإذا كانت وزارة الخارجية والمخابرات العسكرية متساهلة مع بعض السفراء والدبلوماسيين الذين يقترنون بأجنبيات، فإنها يمكن أن تصل أحيانا مع البعض حدا من التشدد والصرامة يصل إلى المطالبة بالإعدام.
وأبرز مثال على هذا التشدد هو ما وقع للمستشار حسن البواب الذي اشتغل في سفارة روما وموسكو أيام الجنرال الدليمي، وكان البواب متزوجا من بولونية، قبل أن تستدعيه ذات صباح مصالح الخارجية للدخول لكي تعتقله الشرطة في المطار وتقتاده إلى المحكمة، حيث طالب «الغراق» بإعدامه بتهمة الخيانة العظمى والتخابر مع المعسكر الشرقي.
وهكذا، حكم عليه بالمؤبد وقضى ثماني سنوات في السجن، دهست خلالها الشاحنة المعلومة جسد الجنرال الدليمي وحل محله الجنرال القادري، قبل أن يغادر حسن البواب السجن بعفو ملكي بعد أن تدخل مولاي بلعربي العلوي لدى الحسن الثاني وأخبره بأن الملف مفبرك والتهمة ملفقة.
ومن غرائب الصدف أن ما وقع في مدينة البندقية بين زوجة السفير وزوجة الوزير المغربيين سبقه حادث مماثل وقع في مثل هذه الفترة من السنة الماضية بروما، كان بطله «السيناتور» المغربي يحيى يحيى الذي اعتقلته الشرطة الإيطالية بعد وضع أجنبيتين لشكاية ضده، فقامت الخارجية المغربية باستدعاء السفير للتشاور، وكادت تنشب أزمة دبلوماسية بين المغرب وإيطاليا بسبب ذلك.
وزارة الخارجية تهدد بقطع العلاقات الدبلوماسية مع العالم بسبب أشياء تافهة تتعلق بخصومات وحسابات سخيفة أحيانا، أما عندما يهين شخص مثل القذافي الشعب المغربي الذي منح دماءه من أجل حرية التعبير ويطالب برؤوس مديري ثلاث جرائد دفعة واحدة، فإن الخارجية المغربية تركع بخشوع، ويبتلع المدغري العلوي، سفير المغرب في بنغازي لسانه، ويذهب الوزير الأول عباس الفاسي إلى ليبيا لمجاملة القائد وتنشر جريدته قصيدة طويلة وسخيفة كلها تغزل في قائد الثورة الذي يستعد للاحتفال بقضائه أربعين سنة جالسا فوق كرسي الحكم.
«خارجية ديال والو».

29.06.2009

أحمد المرزوقي - الجزء التاسع والأخير

أحمد المرزوقي - الجزء الثامن

أحمد المرزوقي - الجزء السابع

أحمد المرزوقي - الجزء السادس

أحمد المرزوقي - الجزء الخامس

أحمد المرزوقي - الجزء الرابع

أحمد المرزوقي - الجزء الثالث

أحمد المرزوقي - الجزء الثاني

أحمد المرزوقي - الجزء الأول

جدول الضرب


أثارت انتباهي دراسة نشرت قبل مدة تتعرض لتعامل الأزواج المغاربة مع زوجاتهم. وكنت، قبل الاطلاع على هذه الدراسة، أعتقد أننا نحن الرجال المغاربة نعامل زوجاتنا بلطف، وأننا، من فرط ما ضربنا الأخماس في الأسداس حسرة على حالنا، لم تعد لدينا القدرة على رفع أيدينا لضرب زوجاتنا.
ومن الأفضل للبنات اللواتي يفكرن في الزواج أن يلقين نظرة متفحصة على هذه الدراسة قبل أن يقررن الاقتران برجل مغربي. فربما يقررن -بعد قراءة الأرقام التي أوردها التقرير حول النسب المائوية للرجال المغاربة الذين يضربون زوجاتهم، والذي أنجزته إحدى مراكز الاستماع ضحايا العنف، البقاء عازبات على أن يقضين حياتهن الزوجية يبادلن رجالهن الحب، بينما هم يبادلنهن الحب باللكمات.
والواقع أن الرجل المغربي معذور في ما يقوم به مع زوجته، فهو يقضي عمره كله مضروبا، يضربه أبواه وهو طفل ويجبرانه على الأكل بحجة أنهما يريدانه أن يكبر بسرعة، وعندما يأكل يضربانه لكي يتأدب ويقفل فمه عند الأكل، وعندما يكبر ويشاهد الآخرين يأكلون رزقه يغضب، فيضربونه من جديد ليبتلع لسانه ويمضغ كرامته بفم مغلق.
يضربونه في الجامعة وهو طالب، وعندما يتخرج ويطالب بشغل يضربونه وهو عاطل. وحتى عندما يحصل على عمل يحصل عليه بضربة حظ.
إذ ليس هناك رجل مغربي لم يضرب في حياته. فمن لم يضربه أبوه بالحزام الجلدي ضربه المعلم بالمسطرة الحديدية، ومن لم يضربه المعلم ضربه الشرطي بحذائه، ومن لم يضربه كل هؤلاء لا بد أن يكون قد ضربه حمار الليل على الأقل !
وحتى أبناء الذوات، الذين يولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهب ولم يحدث أن مد عليهم أحد يده في البيت أو في المدرسة أو في الشارع، فكثير منهم يضربهم الله.
لذلك، فالرجل المغربي المسكين بمجرد ما يتزوج يوفر واجب الانخراط الشهري في نوادي فنون الحرب، ويبقي على اشتراكه اليومي في النوادي الأخرى، ويتفرغ لتمرين عضلاته مع زوجته بين عراك وآخر، منتقما لنفسه من ذلك الرصيد التاريخي من الضرب الذي أكله طوال حياته السابقة.
والواقع أنه لا يجب أخذ التقارير الذي تنشر حول ضرب الأزواج لزوجاتهم كما لو كانت وحيا منزلا، فليس كل الرجال يحبون سلخ زوجاتهم هكذا لوجه الله. لأن هناك بعض الزوجات اللواتي يدفعن رجالهن إلى سلخهن، ولا يرتحن إلا عندما يفرجن بافتخار جاراتهن في الحمام على البقع الزرقاء التي تطبع أطرافهن أو تحيط بإحدى أعينهن المغلقة !
والعيب الوحيد في مثل هذه التقرير، في نظري، هو أنها تغفل إعطاء أرقام تتعلق بمعشر الرجال الذين تضربهم زوجاتهم، وهم في المغرب كثر، بلا شك.
أعرف وزيرا سابقا كان، عندما يدرك أن أعصاب زوجته متوترة، يذهب إلى أقرب فندق ليقضي ليلته هناك بعيدا عن شبشب زوجته. وأعرف روائيا مشهورا يحفظ عدد أدراج العمارة التي يقطن بها أكثر مما يحفظ عناوين رواياته، لأن زوجته «كركبته» عبرها أكثر من مرة كلما عاد مخمورا في آخر الليل!
هذا دون أن أتحدث عن بعض زعمائنا السياسيين الذين يتجنبون إحضار زوجاتهم في الحفلات والمناسبات خوفا من أن يغرهن الشيطان ويتحولن، في نهاية السهرة، إلى ملاكمات من الوزن الثقيل.
وإذا كانت لدى النساء مراكز استماع ومكاتب للنجدة، فإن الرجال المساكين ليس أمامهم إذا أرادوا إسماع شكاواهم غير رفع أكفهم إلى الله، وإذا أرادوا النجدة من زوجات بعضهم السمينات فليس لهم سوى سيقانهم ليطلقوها للريح.
ولا يجب أن ننخدع بالمظاهر، فكم من رجل تراه في الشارع يمشي فتخلطه بعنترة بن شداد العبسي، وعندما يدخل إلى العمل يزرع الرعب في موظفيه، لكنه عندما يدخل إلى بيته ويقف أمام زوجته يتحول إلى فأر مذعور ينتظر فقط أن يطلع النهار ليغادر قفص الزوجيّة.
وقد كنت دائما مقتنعا بأن كل الرجال الذين يعطون أنفسهم مظهرا صارما فوق العادة خارج البيت وفي العمل، يختفي خلف ملامحهم الجامدة رجل خائف ومرعوب تُرهِبه زوجته وتضربه بالشربيل.
أنظروا جيدا في عيون رؤسائكم المتسلطين في الوزارات والمؤسسات العمومية، وسترون داخلها زوجاتهم السمينات واقفات وفي أيديهن «مدلك».
ومع أنني أعرف سلفا أن قراءتي لتقارير مراكز نجدة النساء ضحايا العنف لن تروق للنساء اللواتي يشرفن على المراكز، إلا أنني لا أستطيع مقاومة إغراء مشاطرتهن رأيي فيها.
والجميل في هذه التقارير أنها تكشف أن الرجل المغربي لا يميز بين ربة البيت الأمية وبين الطبيبة المتعلمة، فعندما يتعلق الأمر بالضرب تتساوى كل النساء مثل أسنان المشط. وربما ليس هناك نشاط آخر تتساوى فيه المرأة المغربية، سواء كانت جاهلة أو متعلمة، فقيرة أو ثرية، شابة أو ناضجة، غير الضرب. وهنا، يقدم الرجل المغربي مثالا واضحا على حس المساواة والعدالة، عكس الرجل الغربي الذي كلما نشب بينه وبين زوجته خلاف وجه رصاصة إلى صدغه أو رمى نفسه من قنطرة عالية.
وتكشف التقارير أن النسبة العالية من الرجال الذين يضربون زوجاتهم يعملون بسلك الشرطة والجندية والدرك الملكي. وهذا طبيعي، في نظري، فالشرطي يعود إلى البيت متعبا وبسبب ساعات العمل الطويلة يحدث له إرهاق ويخلط البيت بالكوميسارية ويخلط زوجته بإحدى المعتقلات ويبدأ الضرب والجرح !
أما الجندي فهو معذور لأن راتبه لا يكفي لتلبية طلبات زوجته، فيضطر غالبا إلى تلبية هذه الطلبات بعضلاته، فيما الدركي تعود على انتزاع الاعترافات بالقوة، وكلما استنطق زوجته عن الأماكن التي ذهبت إليها في غيابه ولاحظ تناقضات في اعترافاتها لجأ إلى وسائل التعذيب المعروفة. وغالبا ما ينجح هو في انتزاع اعتراف صغير، وغالبا ما تنجح هي في انتزاع ورقة الطلاق!
بعد هؤلاء، يأتي العمال والموظفون في المرتبة الثانية في التقارير. وأعتقد أن وتيرة الضرب عند هذه الشريحة الاجتماعية ترتفع، خصوصا في نهاية الشهر، عندما يبدأ الرجال في الدخول إلى البيت في ساعة متأخرة لكي يجدوا زوجاتهم غارقات في النوم حتى يتجنبوا سماع لائحة مطالبهن. لكن تسعة في المائة من هؤلاء النساء يبقين يقظات في انتظار أزواجهن، ويا ليتهن ينمن ويعفين مراكز النجدة من سماع استغاثاتهن !
في المرتبة الثالثة، وبنسبة ستة في المائة، نجد المهاجرين، فهؤلاء بسبب غيابهم المستمر عن بيت الزوجية يوفرون ضرباتهم إلى حين عودتهم إلى المغرب في الصيف. وعندما يصلون يجدون زوجاتهم في انتظارهم ويسددون ديونهم كاملة . وأحيانا يسددون حتى الفوائد المتأخرة!
في المرتبة الرابعة، وبنسبة خمسة ونصف في المائة، نجد المتقاعدين. والحقيقة أن هذه الشريحة الاجتماعية لا يجب مؤاخذتها على ما تفعله. فكلنا يعرف أن الزوجين عندما يكبران في السن ويبقيان لوحدهما في البيت، الشيطان نفسه لن يستطيع تحملهما!
لذلك، فالرجال المتقاعدون يلجؤون إلى ضرب زوجاتهم فقط لتزجية الوقت وتحريك مفاصلهم التي يتهددها الروماتيزم.
أما رجال التعليم، فيجب أن يحرروا رسالة شكر إلى محرري هذه التقارير لأنهم وضعوهم في أسفل الترتيب مع الأطباء والصيادلة والمحامين، وهي الشريحة الاجتماعية التي يضرب فيها الرجال زوجاتهم بنسبة أقل.
وطبعا، فالمعلمون والأساتذة في زمننا لم يكونوا بحاجة إلى ضرب زوجاتهم لأنهم كانوا يقضون السنة الدراسية في ضربنا نحن لنجتهد وننجح، وكم من تلميذ أكل من الفلقة ما لو وزع على كل تلاميذ المدارس اليوم لكفاهم، وفي الأخير كره الدراسة والمعلم والعالم بأسره!
وإذا كان رجال التعليم غير مضطرين إلى ضرب زوجاتهم بسبب الاكتفاء الذاتي في القسم، فإن الأطباء والصيادلة لا يضربون زوجاتهم لأن لديهم فكرة عن أثمنان الأدوية وتكاليف العلاج، فيما المحامون فيعرفون القانون جيدا، ويعرفون كيف يخرجون أنفسهم كالشعرة من العجين بالقانون وبلا حاجة إلى ضرب...

27.06.2009

ما شكيتو علينا


لا أعرف كيف ستستطيع كوثر بنحمو، التي فازت بمقعدها في جماعة بوقنادل القروية، أن تواجه رئيس الجماعة الاستقلالي. فكوثر، رغم وداعتها البادية على الصور التي عممتها وكالة الأنباء الفرنسية على الصحف والمجلات، اختارت ممارسة المعارضة ضد الأغلبية المسيرة لجماعة بوقنادل والتي يترأسها معلم استقلالي سبق له أن «جبد» أذني كوثر عندما كانت تلميذة عنده في القسم.
على الأقل، فالمعارضة في جماعة بوقنادل واضحة المعالم، وليست مثلما هو عليه الحال في سلا، حيث يوجد مستشارون استقلاليون في المكتب المسير إلى جانب العمدة لزرق، وفي الوقت ذاته يوجد مستشارون استقلاليون في المعارضة. وهذا انفصام سياسي لم نشهد له مثيلا في العالمين، يستحق أن يدرس في شعب العلوم السياسية كمثال لفصيلة جديدة من الأحزاب اسمها أحزاب «دوبل طيط».
وفي حالة كوثر، ليست هذه هي المرة الأولى التي ينطبق فيها بيت الشاعر ابن زياد المزني «أعلمه الرماية كل يـوم فلمّا أشتد ساعده رماني، وكم علمته نظم القوافي فلمّا قال قافية هجانـي». فهناك أمثلة كثيرة لأساتذة ومعلمين درسوا تلاميذ صاروا، عندما كبروا، من أشرس معارضيهم، أو العكس.
والمثال الأكثر شهرة هو المهدي بنبركة الذي علم الحسن الثاني في قسم الرياضيات أبجديات الحساب الأولى، قبل أن يكبر التلميذ ويجلس على العرش وتبدأ بينه وبين أستاذه القديم حرب بلا هوادة انتهت باختفاء الأستاذ إلى اليوم.
بالأمس كان السياسيون يختفون بسبب مواقفهم ومبادئهم على يد السلطة، واليوم أصبحوا يختفون بمحض إرادتهم أمام أنظار السلطة لعقد صفقات بيع الضمائر والأصوات.
لكن ما أعجبني شخصيا في برنامج كوثر الانتخابي، ليس الصور التي التقطتها وهي تعتلي صهوة الثور الميكانيكي، بل كونها لم ترفع سقف وعودها عاليا. فكل ما تطمح إليه، حسب ما صرحت به لإحدى اليوميات، هو إدخال الماء إلى بيوت سكان جماعة بوقنادل القروية. وهذه، طبعا، ستكون مناسبة لإدخال الماء إلى صيدليتها التي تفتقر إلى ذلك. رغم أن قرار وزيرة الصحة، الذي صدر في الجريدة الرسمية عدد 7 غشت 2008 حول الشروط الصحية المتعلقة بالمؤسسات الصيدلية، ينص بوضوح على ضرورة توفر الصيدلية على مرحاض ومغسل مزودين بصنبورين للماء قبل فتح أبوابها.
وإذا كانت كوثر تعد ساكنة جماعتها القروية بقواديس الماء، فإن فاطمة بوجناح، رئيسة جماعة «تيزغت» بنواحي طاطا، والتي لا يتجاوز عمرها 22 سنة، تعد سكان جماعتها بسيارة إسعاف. فالجماعة تفتقر إلى هذا الاختراع العجيب المسمى «لابيلانص». وهكذا ففي الوقت الذي يفتخر فيه عباس الفاسي ووزيره في التجهيز بتوقيع صفقة القطارات عالية السرعة بين طنجة والدار البيضاء، تعيش مناطق كاملة من المغرب على حلم امتلاك سيارة إسعاف تنقل مرضاها ونساءها الحوامل إلى المستشفيات وموتاها إلى المقابر.
وتقول آخر نكتة أن أحد المرشحين ذهب عند «فقيه» لكي يكتب له حرزا من أجل النجاح في الانتخابات، وعندما سقط رجع عند «الفقيه» وسأله لماذا لم تقاعست شياطينه على مساعدته على الفوز، فقال له «الفقيه» أن شياطينه عندما اطلعت على برنامجه الانتخابي قررت التراجع عن مساعدته، وأضاف :
- هوما اللي جنون وجاهم هاداك البرنامج ديالك صعيب، بقا عاد تقدر طبقو نتا اللي بشار...
ومن طرائف هذه الانتخابات أنها لم تفرز فقط وجوها جديدة، بل كشفت أيضا عن وجود صلاة جديدة أصبح يزاولها بعض المنتخبين. فبعد صلاة الداخلية التي يسمونها «صلاة القياد الجمعة والعياد»، ها نحن نكتشف أن هناك صلاة خاصة بالانتخابات، مثلما حدث في سيدي سليمان عندما تعب أحد المستشارين من نطح الصندوق الانتخابي برأسه، فتقابل مع المستشارين الجالسين فوق كراسيهم وبدأ يسجد أمامهم واضعا يديه خلف ظهره، وهو يصرخ «أنا باغي الخير لهاد البلاد».
ويبدو أن بعض المستشارين في سيدي سليمان محترفون في «النطيح»، فبعد انتهاء صاحبنا من نطح الصندوق الزجاجي وتكسير أضلاعه، سلم المشعل لأحد زملائه الذي بدأ في نطح حائط البلدية.
والمتتبع لطرائف الانتخابات سيلاحظ أن هناك أكثر من طريقة لعرقلة التصويت عندما تسير الأمور عكس مصالح أحد المستشارين. وفي بلدية «ويسلان» بمكناس، وجد أحد المستشارين أن أحسن طريقة لتوقيف البيضة في الطاس وعرقلة عملية التصويت هي الدخول في اعتصام مفتوح داخل المعزل وإملاء شروطه على رئيس الجلسة من وراء الستار. لكن صموده وراء المعزل لم يدم طويلا، واستسلم في حدود الخامسة مساء وقطع اعتصامه وخرج لكي يدلي بصوته مثل الآخرين.
وإذا كان بعضهم في سيدي سليمان يحب «النطيح» فإن البعض الآخر في مكناس كشف عن مواهب أخرى في رياضة الأصابع. وأول ضحية لهؤلاء المنتخبين كان أحد الصحافيين الذي جاء لتغطية انتخاب عمدة المدينة، فاكتشف أنهم طاروا له بمحفظته. وإذا كان هذا السارق لم يصمد أمام إغراء حقيبة يدوية ليس فيها سوى الأوراق والجرائد، فكيف سيصبر أمام إغراء سرقة صندوق البلدية المليء بالأوراق المالية.
هذه الانتخابات لم تكن فقط انتخابات صعود أول امرأة عمدة في مراكش، وصعود أول صيدلانية في بوقنادل، وصعود أصغر مرشحة في المغرب بطاطا، بل كانت أيضا أول انتخابات ترفع فيها مرشحة دعوى قضائية ضد الدولة المغربية لتعويضها ماديا عن خسارتها في الانتخابات.
وتتهم فضيلة العلوي منير، التي ترشحت مستقلة، الدولة بعرقلة مشاركتها في العملية الانتخابية بسبب مشاكل بيروقراطية، مما تسبب لها في مضاعفات نفسية نتيجة أزمتها الانتخابية، كما يوضح الطبيب الذي منحها شهادة تثبت ذلك ومدة عجز قدرها في ثلاثين يوما.
وشخصيا، أرى أنه بات من الضروري على وزارة الداخلية أن تفكر في إدخال بند جديد لمدونة الانتخابات، وهو بند التأمين على الأمراض والحوادث التي يمكن أن تقع خلال الانتخابات أو بعدها. فكل من يريد المشاركة في الانتخابات عليه أن يتوفر أولا على تأمين على حياته وسلامته الجسدية. فنحن البلد الوحيد الذي تبدأ فيه الانتخابات بالزغاريد والضحكات في مقرات الأحزاب والشوارع وتنتهي بالعويل والدموع والدماء في المستعجلات.
ومثلما للانتخابات ناجون فإن لها ضحايا أيضا. وفي عز الحملة الانتخابية لاحظنا كيف اختفى المنصوري، الأمين العام للأحرار، بعدما وصل ضغطه الدموي إلى 18. ورأينا كيف سقط الحسين الكرومي مغشيا عليه بعد أن طلع له السكر بسبب اقتحام رجال الأمن لبيته بعد شكاية كيدية من خصومه. ورأينا كيف لجأ السنتيسي عمدة سلا السابق إلى إحدى المصحات لكي يجري فحصا شاملا بعد الضغط الذي عاشه خلال الانتخابات التي فقد فيها منصب العمدة. ورأينا كيف انفجر ليلة أمس عرق في رأس الجازولي عمدة مراكش السابق وحمله أبناؤه إلى باريس على وجه السرعة للعلاج.
ولو أردنا إحصاء ضحايا الانتخابات لكنا محتاجين إلى صفحات هذه الجريدة كاملة لعدهم. «ها اللي نعس عليه نصو، ها اللي ثقال عليه لسانو، ها اللي جاتو الغمة، ها اللي باقي مسرسر من نهار سقط، ها اللي تغاشى». وكأن هؤلاء فقدوا الأمل في الحياة بمجرد ما فقدوا كراسيهم العزيزة.
«ما شكيتو علينا يا لطيف».

رأي الدين في البخل


يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها إذا كان بخيلا:
وضع الإسلام مجموعة من المبادئ في العلاقة الزوجية لحماية الأسرة من الشقاق، فالنكاح مبني على المكارمة أي المحاسبة، والإحسان في المعاشرة لقوله تعالى: «وعاشروهن بالمعروف»، وهناك أيضا الحقوق المتبادلة لقوله تعالى: «ولهم مثل الذي عليهن بالمعروف»، ثم القوامة، أي إلزام الرجل بالنفقة. وقد قال اللّه سبحانه: «وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، وفي حديث شريف قال الرسول صلى الله عليه وسلم:«دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك. أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك». وفي حديث آخر: «إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها، فهي له صدقة»، وفي ذلك تشجيع للرجل حتى لا يكون بخيلا.
لكن للأسف نرى بعض الرجال يجلسون في المقاهي والمطاعم ينفقون بدون حساب على أصدقائهم في حين لا ينفقون على بيوتهم. من الناحية الشرعية على الرجل أن يوفر لزوجته وأبنائه الطعام والشراب والمسكن، حتى وإن كانت زوجته تنتمي إلى عائلة ميسورة ماديا. كما يجب على الزوجة أن تراعي حالة الزوج الاجتماعية وألا تطالبه بما يفوق طاقته. وفي حال بخل الزوج وتقتيره، يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وأولادها بالمعروف ولو كان ذلك بدون علم زوجها، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهند حين قالت له إن أبا سفيان رجل شحيح، ولا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، أي لا إفراط ولا تفريط، فإن لم تقدر المرأة على الأخذ لعسرته أو منعها فلها أن تطلب الطلاق.
* آمحمد العمراوي من جامعة القرويين.

26.06.2009

عيش وربي الريش


هذه الانتخابات الأخيرة لم تشهد فقط مآسي ومعارك ضارية بين المرشحين والأحزاب السياسية، بل عرفت أيضا طرائف ونوادر يمكن جمعها ونشرها في كتاب يكون الجزء الثاني لكتاب «أخبار الحمقى والمغفلين».
والمغاربة لديهم قول مأثور ينطوي على حكمة كبيرة، يقول «الطماع ما يقضي عليه غير الكذاب». هذه الحكمة طبقها أحد «الشناقة» المكلفين بشراء الأصوات لأحد المرشحين في الدار البيضاء. فقد وعد صاحبنا مرشحه بآلاف الأصوات في الدائرة التي ترشح فيها مقابل ملايين محترمة. لكن مفاجأة صاحبنا كانت كبيرة عندما بدأت تتقاطر عليه محاضر مكاتب الانتخابات التي تحتوي على نتائج التصويت. فقد اكتشف أن أغلب النتائج لا تتعدى مائة أو مائتي صوت. فما كان منه إلا أن أضاف صفرا إلى نتيجة كل مكتب، فتحولت مائتا صوت بقدرة قادر إلى ألفين، وخمسمائة صوت إلى خمسة آلاف. وطار باللوائح التي تحمل النتائج «الباهرة» إلى المرشح والذي بمجرد ما رأى كل تلك الأرقام السمينة انشرح صدره وانفرجت أساريره ومعها أزرار حقيبة نقوده. فأعطى «الشناق» المبالغ المالية التي اتفق معه عليها لكي يذهب ويؤدي إلى المصوتين أجرتهم قبل أن يجف الحبر الذي يعلق بأصابعهم.
وكم كانت صدمة صاحبنا كبيرة عندما اكتشف العدد الحقيقي للمواطنين الذين صوتوا عليه، بعدما جاءت «خبار الصح» من العمالة، فوجد أن كل اللوائح التي توصل بها من «الشناق» تمت إضافة أصفار إلى أرقامها، وأن العدد الحقيقي للأصوات التي حصل عليها لم يتجاوز 500 صوت.
وهنا أظلمت الدنيا في عينيه ولم يعد يقشع سوى الضباب، فأغمي عليه ولم يسترجع وعيه إلا بعد يومين قضاهما في «الكومة» داخل المستشفى.
ولم يكن هذا المستشار «السخفان» الوحيد في هذه الانتخابات، فكثير من أنصار البحراوي سقطوا مغشيا عليهم بعد أن سقط سهوا الاتحادي فتح الله والعلو فوق كرسي عمادة الرباط مكان البحراوي. فجاءت سيارات الإسعاف وحملتهم إلى المستعجلات. وقد أوشكت سيارات الإسعاف على حمل الصحافيين أيضا إلى المستعجلات، خصوصا بعدما وصفهم الكاتب العام لولاية الرباط، ركراكة، بالذبان، وأعطى الأوامر لرجال الأمن بتشطيبهم من مقر مجلس المدينة.
وخوفا على فهر الفاسي، ابن عباس الفاسي ولالة أم البنين، من «السخفة» عندما لم يصوت عليه في انتخابات مجلس الدار البيضاء سوى 24 ناخبا من أصل 84، تدخلت ياسمينة بادو وكريم غلاب وأعلنا انسحاب الأعضاء الاستقلاليين من التصويت، وقالت ياسمينة إن ما وقع هو مؤامرة على فهر الفاسي حتى لا يكون أحد نواب العمدة ساجد. فكيف يعقل أن يفشل ابن عباس الفاسي الوزير الأول وابن لالة أم البنين الرئيسة الشرفية لوفد النساء الدبلوماسيات الموازيات اللواتي يقمن بزيارات لقصور ملوك ورؤساء لتحمير وجه المغرب، في الوصول إلى منصب تافه كمنصب نائب ثالث أو رابع للعمدة.
وهكذا انسحب الاستقلاليون ووقفوا البيضة في الطاس من أجل سواد، عفوا، زرقة عيون فهر الفاسي.
وأتصور أن لالة أم البنين، زوجة عباس، تسهر هذه الأيام على مستقبل ولدها الذي يسير على درب السياسة وهي تقول له ما كانت تقوله لنا أمهاتنا ونحن نتدرب على السير جالسين في «المشاية»: «دادوش يكبر ويعيش».
وطبعا، ليس هناك ما يمنع الفتى فهر من أن يكبر ويعيش ويربي الريش، فالمناصب السامية بانتظاره، وما عليه سوى أن يقضي فترة تدريب في مجلس الدار البيضاء حتى يستأنس برائحة عرق ولغة المستشارين القادمين من «ليساسفة» و«الهجاجمة» و«كاريان سانطرال»، كما صنع زميلاه في الحزب والعائلة الفهرية كريم غلاب وياسمينة بادو واللذان لم يعودا يكتفيان بمصافحة أيادي بؤساء دائرتيهما وإنما أصبحا يذهبان إلى حد «التلواز» معهم في الأزقة على أنغام الطعريجة والبندير.
ومن طرائف الانتخابات أن مرشحا لحزب اليسار الاشتراكي الموحد بالدار البيضاء تم ضبطه وهو يحرس أحد صناديق الاتحاد الدستوري في مكتب للتصويت. مع أن القانون يمنع على المرشحين البقاء في مكاتب التصويت. وربما كان صاحبنا يعرف مسبقا نتيجة التصويت وأنه سيخرج خاوي الوفاض، لذلك قرر أن يخرج عامر الجيوب على الأقل، ولو بتعويض بسيط عن حراسة صندوق حزب منافس يوم الاقتراع. «عضة من الفكرون ولا يمشي فالت».
طرائف الانتخابات يمكن أن تتحول إلى مأساة أحيانا، خصوصا عندما يكتشف المنتخب أن أقرب المقربين إليه لم يمنحوه أصواتهم. ولازلت أتذكر واقعة طريفة حدثت في مدينتي الصغيرة عندما ترشح أحد جيراننا للانتخابات البلدية واكتشف عند فرز الأصوات أنه لم يحصل سوى على صوته، وأن أصوات أبنائه وزوجته ذهبت إلى مرشح آخر. فطلق زوجته الطلاق الثلاث وطرد أبناءه من البيت وهو يصرخ «واش أعباد الله أنا عندي العدو فالدار وما فراسيش». وهكذا انتهى بدون عائلة وبدون كرسي في البلدية، «لا حمار لا خمسة فرنك».
ولربما كان المغرب هو البلد الوحيد الذي لازال يفوز فيه الأميون برئاسة المجالس البلدية، في الوقت الذي تسلخ فيه جلود حملة الشواهد العليا أمام باب البرلمان. ولعل ما وقع في سيدي سليمان بجماعة أولاد بنحمادي خير مثال على أن الشهادة الدراسية هي آخر ما يطلب من المرشح لقبول ملف ترشيحه. ورغم أن الغرفة الإدارية للمجلس الأعلى سبق لها أن أصدرت حكما يقضي بإلغاء رئاسة الرئيس المنتخب لهذه البلدية بسبب عدم توفره على الشهادة الابتدائية، فإن الانتخابات الحالية أعادته إلى كرسيه رغم أنف المجلس الأعلى.
والأكثر طرافة في انتخاب هذا الرئيس الذي لا يحمل شهادة أخرى غير شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله، أنه مرشح عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو الحزب الذي تحمل حقيبة التعليم في حكومة التناوب، ورفع لواء محاربة المستشارين والرؤساء والبرلمانيين الأميين، فإذا به ينتهي هو نفسه مرشحا لأمي لرئاسة مجلس جماعي. وأين يا ترى؟ في المنطقة التي يمثلها وزير العدل عبد الواحد الراضي في البرلمان.
الأفظع من كل هذا، هو أن الاتحادي الراحل بوزوبع هو من أصدر قرار إلغاء رئاسة الرئيس الأمي عندما كان وزيرا للعدل، بوصفة رئيسا للمجلس الأعلى للقضاء بعد الملك. ست سنوات بعد ذلك، نرى كيف أن وزير العدل الحالي يسمح للمرشح الأمي باستعادة كرسي رئاسته. أليس هذا هو الدليل القاطع على أن المغرب يتقدم والاتحاد الاشتراكي يتغير.
وفي الوقت الذي يتناطح فيه المنتخبون والمستشارون على الكراسي والرئاسة رافعين شعارات كبيرة حالمين على المواطنين بمشاريع ضخمة، نجد أن سكان المغرب العميق لديهم مطالب بسيطة جدا. وفي منطقة صخور الرحامنة التي صوت كل سكانها على حزب «الأصالة والمعاصرة» الذي أسسه ابن المنطقة، فارقت الحياة مؤخرا طفلة لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات بسبب لسعة عقرب. واليوم، بعد فوز حزب الهمة بأغلبية المقاعد الجماعية بالدائرة وانتزاعه لرئاسة البلدية، فإن السكان يتمنون فقط أن تساعدهم البلدية بالوسائل الكيماوية لإبادة العقارب حتى يمر عليهم هذا الصيف بأقل الوفيات الممكنة.
وما لا يعرفه المغاربة هو أن السبب الأول للوفاة بالتسمم في المغرب ناتج عن لسعات العقارب، وأكبر نسبة من الوفيات بلسعات العقارب في المغرب توجد في منطقة صخور الرحامنة المشهورة بعقاربها السامة. ولذلك، فالأمل الذي يحدو سكان المنطقة هو تخصيص حملة كتلك التي شهدوها سنوات الثمانينيات عندما قامت السلطات بإبادة العقارب بالمواد السامة داخل البيوت وحظائر الحيوانات، فارتاحوا من لسعاتها أربع سنوات كاملة.
وهكذا، ففي الوقت الذي يبحث فيه البعض في الدار البيضاء والرباط لكي يعيش ويربي الريش فإن البعض الآخر في المغرب «الأقسى» يبحث فقط لكي يعيش دون أن يدخل عليه عقرب تافه من تحت الباب وينهي حياته أو حياة أحد أبنائه بضربة واحدة من ذيله المسموم.

24.06.2009

رضـعـي ولــدك


في مصر لديهم شيخ في الأزهر أخرج لهم فتوى سماها «فتوى إرضاع الكبير» تجيز إلقام الموظفة ثديها لزميلها في العمل حتى يصبح جائزا لهما شرعا الاختلاء ببعضهما داخل المكتب. أما في المغرب فلدينا وزيرة للصحة اسمها ياسمينة بادو أخرجت لنا هذا الأسبوع فتوى جديدة اسمها «البحث عن فضاء مناسب للرضاعة الطبيعية في أماكن العمل».
وقبل أن يسرح خيالكم بعيدا، فسعادة الوزيرة الضاحكة تقصد بالرضاعة الطبيعية إرضاع الأمهات لأطفالهن. وربما هناك تفكير حكومي جاد في حذف عطلة الولادة التي تتمتع بها النساء الشغالات، مادامت الوزيرة تفكر في إحداث فضاء خاص بالرضاعة الطبيعية في أماكن العمل. هكذا يسقط عذر الإرضاع عنهن، مادامت الوزيرة خلقت لهن فضاء لكي يرضعن فيه أطفالهن. وهذه أول مرة أسمع فيها أن المرأة يمكن أن تأتي بأطفالها الرضع إلى أماكن العمل.
وإذا كنت في المغرب فلا تستغرب، فقد قرأنا قبل شهر ذلك البلاغ الذي عممه المفتش العام للوقاية المدنية الجنرال عبد الكريم اليعقوبي على جميع ثكنات الوقاية المدنية في المغرب، يأمر فيه كل من يمرض من رجاله بأن يأتي إلى مقر الثكنة لكي يقضي بها فترة إجازته المرضية. وكل مريض يتخلف عن الحضور يصبح معرضا للعقوبات المنصوص عليها قانونيا.
وإذا كانت وزيرة الصحة تريد أن تحول مقرات العمل إلى روض للأطفال حيث تستطيع الموظفات جلب أطفالهن معهن وإرضاعهن، فإن اليعقوبي يريد أن يحول ثكنات الوقاية المدنية إلى مستشفيات. مع أن المعروف هو أن المريض يجب أن يقضي فترة مرضه في بيته حتى لا ينقل العدوى إلى الآخرين، خصوصا إذا كان مصابا بالأنفلونزا أو غيرها من الفيروسات المعدية. لكن اليعقوبي لديه رأي آخر، فكل رجل إطفاء جاءته «السخانة» ما عليه سوى أن يحزم رأسه بالحامض ويأتي إلى مقر الثكنة لكي «يتمغط» أمام رئيسه طيلة ساعات العمل القانونية، قبل أن يغادر إلى بيته ويعود في اليوم الموالي، وهكذا إلى تنتهي فترة الراحة التي حددها له الطبيب في شهادته الطبية.
وإذا كانت شركات القطاع الخاص تحارب الشهادات الطبية المزيفة بإرسال مفتش الشغل إلى بيت من يقدمها للتأكد فعلا من مرضه، فإن اليعقوبي فكر في حل جذري للمشكلة، وقرر استدعاء المريض لكي يمضي فترة راحته تحت أنظاره. يستوي في ذلك المرضى المزيفون أصحاب «موت أحمار» والمرضي الحقيقيون.
ولو أن مشروع الوزيرة الضاحكة اقتصر على خلق فضاء للرضاعة في أماكن العمل لهان الأمر، فسعادة الوزيرة ذهب بها خيالها إلى حد التفكير في البحث عن فضاءات لإرضاع الأطفال في الأماكن العامة، أي في الحدائق والساحات والشواطئ وأرصفة المقاهي.
وكأن وزيرة الصحة لا تعرف أن الأماكن العامة في المدن المغربية لا تتوفر حتى على أماكن للعب الأطفال فبالأحرى أن تتوفر على أماكن خاصة بإرضاعهم. وهناك أماكن عامة لا توجد فيها حتى الكراسي. أما المراحيض العمومية فلا زالت ضربا من الخيال العلمي، وإذا فاجأت المرء حاجة مستعجلة من حوائجه الخاصة فما عليه سوى أن يقصد أقرب مقهى وأن يطلب من الله أن يكون «زكروم» باب المرحاض غير مغلق بالقفل.
ولعل ما تقوم به وزيرة الصحة من ضجة بإقامتها للأسبوع الوطني لتشجيع الرضاعة الطبيعية في الأماكن العامة وأماكن العمل، يكشف أن سعادة الوزيرة «مسالية قبها» وتوجد خارج الزمن فعلا. فالموضوع الرئيسي الذي يشغل بال جميع وزراء الصحة في العالم اليوم هو هذا الانتشار السريع والمتعاظم لفيروس أنفلونزا الخنازير، وليس مشكل تراجع الرضاعة الطبيعية. ولذلك فالأنسب كان هو تنظيم أسبوع وطني لتحسيس المغاربة وتوعيتهم بالاحتياطات الأولية اللازم اتخاذها لتجنب الإصابة بهذا الداء الذي أصبح بسببه الكثير من المرضى يتجنبون التوجه إلى المستشفيات. وحتى إذا ذهبوا فإن بعضهم، كما حدث في مستشفى الحي الحسني بالدار البيضاء، أصبحوا يطلقون سيقانهم للريح هربا أو يختفون تحت الكراسي كلما مر بجانبهم مشتبه في إصابتهم بالفيروس. فالناس بسبب جهلهم بطرق انتقال هذا المرض أصبحوا يرون في كل من يعطس بجانبهم مشتبها في إصابته بالمرض. كما أن هناك نسبة كبيرة من المغاربة يعتقدون أنه بمجرد تجنب السفر وركوب الطائرة فإنهم سيكونون محميين من العدوى.
ولعل أخطر ما يقوم به المغاربة اليوم هو تهافتهم على الصيدليات من أجل اقتناء عقار «التاميفلو» المضاد للأنفلونزا، رغم بلاغ وزارة الصحة الذي يحذر الصيادلة من بيعه بدون وصفة طبية.
وأمام هذه الفتنة لا تملك الوزيرة الضاحكة سوى أن تقول إن الوضع متحكم فيه. مع أنه لا يكاد يمر يوم دون أن تعلن وزارتها عن اكتشاف حالات إصابة جديدة.
والواقع أن وزيرة الصحة لديها أولويات، فهدفها الراهن هو بلوغ نسبة 80 في المائة من الأمهات اللواتي يلقمن الثدي لأطفالهن في أفق 2012. فهذا من شأنه أن يقلص أعداد النساء المصابات بسرطان الثدي والمبيض.
ولعل واحدا من أسباب ارتفاع إصابات المغربيات بسرطان الثدي هو عزوف الرجال عن الزواج بسبب البطالة التي يتحمل عباس الفاسي مسؤولية انتشارها. فالمرأة لديها تكوين جسماني معد للولادة والرضاعة يعمل بساعة بيولوجية داخلية. وعندما تختل مواقيت هذه الساعة فإن جسد المرأة يعرف بعض الاختلالات الهرمونية التي يمكن أن تؤدي إلى ظهور أمراض مستعصية.
ولذلك ينصح الأطباء النساء غير المتزوجات واللواتي يقصدنهم بسبب آلام على مستوى الثدي بممارسة تدليك موضعي للثديين، لتعويض الحرمان الذي يعشنه بسبب عدم وجود زوج يقوم بهذه المهمة. ما حك جلدك مثل ظفرك.
وحتى عند الولادة، فإن إلقام الثدي للرضيع يساهم بشكل كبير في محاربة سرطان الثدي. وترجع النسبة الكبيرة لإصابة النساء بهذا النوع من السرطان إلى امتناعهن عن إرضاع أطفالهن وتعويض ذلك بحليب الرضاعة الاصطناعية.
ولذلك نرى كيف أن سرطان الثدي بدأ في الانتشار بكثرة منذ ظهور الحليب الاصطناعي وشيوع ثقافة المحافظة على أثداء النساء من التهدل بسبب الرضاعة انسجاما مع تعاليم المنظمات النسائية العالمية التي كانت ترى في هذه المهمة حطا من قيمة المرأة العصرية التي يحق لها أن تعوض حليب ثدييها بحليب الصيدليات حفاظا على مظهرها.
والفرق واضح بين أبناء «البزولة» وأبناء «الرضاعة»، فحسب دراسة لمعهد كارولينسكا في السويد، فالرضاعة الطبيعية تقلل من التوتر لدى الأطفال عند مواجهة المشاكل في الكبر. عكس ما هو سائد لدى الأطفال الذين يتلقون رضاعة بالحليب الاصطناعي.
في السبعينيات والثمانينيات كان الشباب عندما يغادر ملعبا لكرة القدم يفعل ذلك بهدوء سواء انتصر فريقه أو انهزم. أما أبناء اليوم فيغادرون الملاعب لكي يدمروا كل شيء في طريقهم سواء ربح فريقهم أو خسر.
في السابق، كان الأطفال يرضعون حليب أمهاتهم، واليوم أصبحوا يرضعون حليب الصيدليات.
هكذا نشأ لدينا جيل من العصبيين والغاضبين. جيل «على سبة» يشتعل لأتفه الأسباب، وكأنه رضع مكان الحليب مادة الكبريت.

22.06.2009

أن تكون أو لا تكون


لا تصبح ماركسيا، فالثورة تأكل أبناءها، ومن يبقى منهم على قيد الحياة ينتهي وزيرا في حكومة يمينية.
لا تصبح كاتبا، فالكتاب نرجسيون ولديهم عاهات مستديمة وعقد كثيرة، ليس فقط مع دور النشر ولكن مع أنفسهم أيضا، ويفقدون البصر مبكرا بسبب القراءة.
لا تكن قاضيا، لأن قاضيين في النار وقاضيا واحدا فقط في الجنة، وأيضا لأن أجرة القاضي تافهة ولذلك تصبح أعين بعضهم بصيرة وأيديهم طويلة جدا.
لا تكن أستاذا، فكثرة الوقوف أمام السبورة تورث الربو والحساسية، وكثرة التفكير في الراتب تقود إلى الترشح في الانتخابات.
لا تكن مخرجا سينمائيا، فالإخراج ينتهي بصاحبه إلى قضاء بقية عمره بعينين خارجتين وراء النقود.
لا تكن ممثلا في الأفلام والمسلسلات الرديئة، فالممثلون الحقيقيون يوجدون في غرف البرلمان، وهم من الموهبة بحيث يمثلون على شعب بكامله.
لا تكن وزيرًا للثقافة، فالثقافة سيدة مسنة ومفلسة تقرأ الكتب الصفراء قبل النوم.
لا تكن يساريا، فاليساريون أصبحوا مثل العميان في لوحة «رامبرانت»، أو كالرفاق في أغنية عبد الحليم حافظ، حائرون يتساءلون ويسيرون على غير هدى ويتصادمون في ما بينهم ويتصايحون ثم يتساقطون.
لا تبدأ يمينيا ولو كان لينين على اليسار.
لا تكن مع الوسط، فالوسط الوحيد المتبقي في هذا العالم العربي هو ذلك الوسط الذي تحركه نانسي عجرم كل مساء في فضائيات الطرب العربي.
لا تكن تقدميا حتى لا يتزعمك الرجعيون ويتقهقروا بك إلى الخلف.
لا تكن رجعيا حتى لا تسقط الحكومة في حبك.
لا تصبح جنديا، فالأرض ليست لأحد، الله وحده يرث الأرض.
لا تصبح شاعرا، فالقصيدة امرأة غير شريفة تنام كل مساء مع شاعر جديد، وما من شاعر شريفٍ أبدًا.
لا تصبح عاشقاً، فالحب مجرد أمير أعمى يسير في شارع مضاء.
لا تصبح شجرة، فالعصفور جبان والحطاب أيضا جبان.
لا تصبح وردة، فلا أحد يحب الورود حقا، وحتى الذين يحبونها يقطعونها بسبب هذا الحب.
لا تصبح حاكما، فكثرة الجلوس تصيب بالبواسير، وأعمار الحكام كأعمار التماسيح، طويلة جدا.
لا تصبح رجلا، فالرجال قليلون.
لا تصبح امرأة، حتى لا تضطر إلى الوقوف وراء كل عظيم تافه.
لا تنحن كثيرا لكي لا تتحول إلى قنطرة فيعبر الآخرون فوق ظهرك.
لا تقف طويلا لكي لا تتحول إلى نصب تذكاري يتبول عليه السكارى.
لا تنم بعينين مقفلتين لكي لا يفوتك أن ترى أحلامك بوضوح.
لا تعش من أجل أحد، لأن العمر قصير ولا يتسع لأحد آخر غيرك.
لا تصدق نصائح الأطباء حول السكر والملح والكوليستيرول والتبغ، لأننا كلنا سنموت في نهاية المطاف، بسبب الضغط أو بسبب الحسرة.
لا تكن صاحب قضية، ومن الأفضل أن تكون صاحب قاض، فهذا أفيد بالنظر إلى الوتيرة التي يحاكمون بها هذه الأيام.
لا تكن زعيم حزب حتى لا تصاب بالعجز الجنسي، فأغلب زعماء الأحزاب السياسية ملتصقون بكراسيهم حتى النهاية ولا يفكرون بـ«ممارسة» شيء آخر غير الزعامة.
لا تكن عازفا على القيثارة حتى لا يتهموك بمحبة الشيطان.
لا تكن متدينا زيادة عن اللزوم حتى لا يتهموك بمحبة الله.
لا تضح من أجل أحد إلا إذا كنت متأكدا من أن الذي تقاوم من أجله يستحق التضحية. فالذين ضحى الجميع من أجلهم اتضح أنهم لا يفكرون سوى بأنفسهم، والذين أخلص الجميع في محبتهم اتضح أنهم لم يكونوا يحبون أحدا سواهم، والذين أوشك الجميع أن يموت من أجلهم اتضح أنهم غير مستعدين للموت من أجل أحد.
حتى من أجل أنفسهم لن يموتوا.. هؤلاء الجبناء.
لا تقاوم من أجل أحد مادام هذا الأخير جبانا يقبل بالاحتقار، فالمقاومون كلهم قدماء ولديهم مكاتب رثة يعدون فيها الشاي على شرف المقدمين والشيوخ والخونة القدامى.
كن منضبطا مثل المساء، فهو لم يخلف موعده أبدا.
كريما مثل الغروب الذي يقدم الشمس قربانا كل يوم.
كن كتوما مثل الليل الذي يأتي متخفيا في ثيابه السوداء لكي لا يفطن لقدومه أحد.
كن متواضعا مثل النهار الذي يجرد الليل من ثيابه كل صباح بلا ادعاء أو بطولات.
كن وفيا مثل الطيور، فهي لا تستبدل شدوها أبدا بشيء آخر.
كن مثل الريح، دائم التأفف.
كن مثل النهر، فهو لا يغير مجراه أبدا.
كن مثل الشجرة، فهي تموت واقفة.
كن صامتا مثل الوقت، فهو يمر خلسة على أطراف أصابعه.
كن وفيا مثل الهاتف، فهو لا يخون صاحبه مع هاتف آخر عندما لا يرن.
كن مثل الصدفة، خيرا من ألف ميعاد.
كن بابا موصدا في بيت مهجور.
كن قميصا منسيا تحركه الريح فوق حبل.
كن حجر عثرة في طريق اللصوص.
كن مواطنا صالحا لنفسه، وإذا استطعت كن صالحا للآخرين أيضا...

20.06.2009

ابتسم أنت في المغرب


في مثل هذا الشهر من سنة 1999، أخذت الحافلة وذهبت إلى مدينة صغيرة اسمها «فياخويوسا» بنواحي «أليكانتي» الإسبانية. كنت قد قرأت إعلانا في الجريدة لشركة فرنسية للبيع عبر الهاتف تطلب مستخدمين يجيدون الحديث بالفرنسية. طبعا، لم أنجح في الحصول على وظيفة معهم لأنهم لم يكونوا يقبلون تشغيل المهاجرين السريين. لكن ما علق بذاكرتي وأنا جالس في قاعة الانتظار، هو ملصق كبير مكتوبة عليه القاعدة الذهبية للعمل في تلك الشركة «ابتسم في الهاتف».
عندما سألت أحدهم كيف سيعرف المواطن الذي يوجد في الطرف الآخر من الخط أنك تبتسم أو تكشر عن أنيابك، قال لي إن الابتسامة تجعل الحديث عبر الهاتف أكثر حميمية وإقناعا.
تذكرت هذا الإعلان وأنا أقرأ إعلانا آخر قبل يومين حول مهرجان ينظمه المجلس الجهوي للسياحة بأكادير تحت شعار «أكادير أرض الابتسامة».
فوزارة السياحة لديها قناعة بأن المواطنين الذين يعيشون في مدينة سياحية مثل أكادير يمكنهم أن يساهموا بابتساماتهم في تشجيع السياح على المجيء إلى مدينتهم. ولذلك أعطى مندوب السياحة في أكادير الانطلاقة لهذا المهرجان من مطار المسيرة باستقبال السياح بابتسامات واسعة. مع أن الأنسب كان سيكون هو استقبال هؤلاء السياح بكمامات فوق الفم والأنف كما تنص على ذلك تحذيرات منظمة الصحة العالمية، خصوصا بعد وصول مرض أنفلونزا الخنازير إلى مرحلة الوباء العالمي، وظهور ثماني إصابات في المغرب، كلها خرجت من بوابات المطارات.
ولم تقف مندوبية السياحة عند هذا الحد، بل نظمت موائد مستديرة حول موضوع «العلاج بالابتسامة»، كما ستنظم مسابقة لاختيار الشركة السياحية الأكثر «تفرنيسا» مع تخصيص جائزة لصاحب أو صاحبة «التفرنيسة» الأكثر جمالا.
وقد دعا المجلس الجهوي للسياحة جميع القطاعات التي لها علاقة بالسياحة إلى الانخراط في الدورة الثانية من مهرجان «التفرنيس» للقضاء على «التغوبيش» السياحي الذي ضرب فنادق المدينة بسبب الأزمة العالمية.
وقد استجاب الناشطون في القطاع السياحي بالمدينة لدعوة المنظمين، بما فيهم جمعيات سائقي سيارات الأجرة، إلا جمعية واحدة لهؤلاء السائقين ظلت متشبثة بربط «الغوباشة» وعدم الانخراط في مهرجان «التفرنيس». فأغلبهم «طالع ليه الدم» بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، ومنهم من لم ترتسم الابتسامة على وجهه منذ مدة، خصوصا أولئك الذين يشتغلون طيلة النهار لكي يجمعوا «الروصيطة» لأصحاب «الكريمة» الجالسين في بيوتهم.
فكرة المجلس الجهوي للسياحة ليست جديدة. فقد سبقته إليها دول أخرى، كمصر والصين، هذه الأخيرة التي جندت متطوعين لحث مواطنيها على «التفرنيس» حتى تظهر مدينة «شنغهاي» في أفضل صورها أمام ضيوفها خلال المعرض العالمي الذي ستحتضنه سنة 2010.
فقد اكتشفت الصين بعد نشر دراسة لإحدى شركات العلكة أن اثنين في المائة فقط من الصينيين يبتسمون في وجه الغرباء. ونحن في أمس الحاجة اليوم إلى دراسة مماثلة تقوم بها شركة «المسكة» التي يشارك عادل الدويري، وزير السياحة السابق، في رأسمالها، لكي يعرف بوسعيد، وزير السياحة الحالي، عدد المغاربة الذين يعانون من صعوبات في «التفرنيس» للسياح.
والواقع أننا نحن المغاربة ليست لدينا صعوبات في الابتسام في وجوه السياح فقط، وإنما لدينا صعوبات حتى في الابتسام في وجوه بعضنا البعض. وأحيانا تفاجأ بشخص لا تعرفه وليس بينك وبينه عداوة ينظر إليك بغضب مقوسا حاجبيه كما لو أنك قتلت له أحد أفراد أسرته. وكم مرة تدخل قاعة انتظار أو مصعدا وتلقي التحية فيردون عليك جميعا بنظرات «فشي شكل»، وكأنهم يقولون لك «هاداك السلام ديالك غير زيدو فيك».
وعندما تتعمق في أصل المشكل، تجد أن المغاربة لا يبتسمون في وجوه بعضهم البعض، ليس لأنهم متكبرون أو متعجرفون أو لأنهم يعشقون ربط «الغوباشة»، ولكن أحيانا فقط لأن أسنان أغلبهم لا تصلح لعرضها أمام الآخرين في «تفرنيسة» واسعة كلما التقت نظراتهم ببعضهم البعض. ولذلك تجد أغلبهم يربي «موسطاشا» كثيفا لكي يغطي به على الواجهة الأمامية الخربة لأسنانه «المهرمشة».
وحسب آخر دراسة لوزارة الصحة، فإن أسنان الفئة العمرية المتراوحة ما بين 35 و44 عاما من المغاربة تصل نسبة التسوس فيها إلى 97.7 % بمعدل 12.72 % من الأسنان المسوسة لكل فرد. وإذا كان المغاربة متساوين في شيء، ففي السوسة.
ولهذا، فقبل أن تدعو وزارة السياحة المواطنين إلى الابتسام في وجه السياح وتخصص لمهرجان «التفرنيس» بأكادير مبلغ 550 ألف درهم، كان عليها أن تضع يدها في يد وزارة الصحة ثم تضعا يديهما معا في جيب وزير المالية لكي يقوموا جميعا بحملة مجانية لتقويم أسنان المغاربة والقضاء على السوسة. ولو أن السوسة الحقيقية التي يعاني منها المغاربة توجد في مكان آخر غير الأسنان.
وما لا تريد أن تفهمه الحكومة هو أن شعبا يعاني من تسوس الأسنان وتواجه أغلبيته خطر تساقطها، بغض النظر عن الذين يسقطونها لهم أمام مبنى البرلمان، هو شعب مكلف من الناحية الصحية. فمشاكل الأسنان التي تظهر لأول وهلة سطحية وبسيطة يمكن أن تتسبب في مشاكل وخيمة على القلب والجهاز الهضمي ترفع الطلب على الخدمات الصحية العمومية، وبالتالي تضاعف ميزانية وزارة الصحة.
وإلى حدود اليوم، هناك أربعة آلاف طبيب أسنان تابعين لوزارة الصحة، في مقابل عشرة آلاف «صانع أسنان» تابعين لوزارة الصناعة التقليدية. وبسبب ارتفاع تكاليف العلاج، فإن الأغلبية الساحقة من المغاربة يفضلون «تصاويب الفم» في ورشات «ميكانيسيانات» الأسنان المنتشرين في كل الحومات، والذين يفصلون «الفام» مثلما يفصل الصانع التقليدي «الشرابل»، فكلاهما يمارس حرفة تدخل في إطار الصناعة التقليدية التي يشرف عليها ولد بركان الوزير أنيس بيرو.
وليس خافيا على أحد أن كثيرا من «صانعي الأسنان» هؤلاء لا يحترمون الشروط الصحية في ما يخص الأدوات التي يشتغلون بها في أفواه عباد الله. وهكذا تصبح هذه الورشات منجما لنقل الأمراض المعدية والفيروسات القاتلة لكل تلك الآلاف من المواطنين الفقراء الذين يسلمون أفواههم لهؤلاء الصناع التقليديين.
ولعل هذا ما يفسر كون ثلاثة في المائة من المغاربة يحملون فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي من نوعي باء وسين. وهي نسبة مخيفة ترجع بالأساس إلى عدم تشديد المراقبة على مهن تقليدية لها علاقة بتلوث الدم، كصناعة الأسنان والحجامة والحلاقة وتختين الأطفال بأدوات غير معقمة.
هذه هي الحملة الحقيقية التي يجب على وزارة الصحة القيام بها للمساهمة، إلى جانب وزارة السياحة، في تشجيع قدوم السياح إلى المغرب. لأن أحد أسباب إحجام السياح عن اختيار المغرب كوجهة سياحية هو النسب المقلقة لانتشار الأمراض المعدية والقاتلة. وهناك أكثر من دولة تضع المغرب ضمن قائمة الدول الخطرة وغير الآمنة صحيا وتنصح مواطنيها بتجنب الذهاب إليها حرصا على سلامتهم.
«بقات فالتفرنيس».

19.06.2009

برنامج مخطوفون


في إحدى المقابر المغربية كان نفر من المشيعين يدفنون أحد أموات المسلمين، فمر بالقرب منهم أحد العابرين وسألهم من يكون الميت. فأجابه أحدهم بأنه سياسي مغربي نظيف. فابتسم مستغربا وسألهم كيف يستطيعون دفن رجلين في قبر واحد. فأجابوه مندهشين من كلامه بأنهم لا يدفنون رجلين في قبر واحد وإنما رجلا واحدا فقط. فقال لهم إن الرجل في المغرب لا يمكن أن يكون سياسيا ونظيفا في الوقت نفسه.
طبعا، صاحبنا يعمم حكمه على جميع السياسيين، وفي هذا غبن لقلة قليلة منهم يصرون على المحافظة على نظافة ذممهم وسط الوحل الذي يشتغلون فيه.
في مقبرة أخرى هذه المرة، واسمها مقبرة سيدي سليمان بالقرب من باب دكالة بمراكش، كانت عائلة المنصوري، تواري الثرى جثمان فرد من أفرادها قبل أسبوع، ويتعلق الأمر بعبد الرحمان المنصوري، باشا مراكش السابق وسفير المغرب السابق في دولة الإمارات.
وقد كانت هذه الجنازة مناسبة جمعت في مقبرة سيدي سليمان أغلب سياسيي مراكش وحزبييها ومسؤوليها ورسمييها. وهكذا اختلطت عبارات عزاء ومواساة بعضهم بآخر أخبار التحالفات الحزبية في المدينة، خصوصا بعدما أفصح حزب الأصالة والمعاصرة عن نيته ترشيح المحامية فاطمة الزهراء المنصوري لمنصب العمدة مكان الجزولي. وهي، بالمناسبة، ابنة الراحل عبد الرحمن المنصوري الذي غادر دار الباطل إلى دار الحق.
وإذا كان باشا مراكش السابق قد غادر إلى دار الحق، فإن كثيرا من المرشحين الناجحين في الانتخابات الجماعية قد غادروا دورهم إلى دور أخرى سرية لا يعلم مكانها حتى الجن الأزرق. وفجأة اختفى عشرات الأعضاء الجماعيين المنتخبين حديثا عن الأنظار في أغلب المدن، وأصبحوا محط بحث من طرف عائلاتهم، إلى الحد الذي أصبح معه بعضها يفكر في التوجه إلى برنامج «مختفون» لكي يبحث لها عن هؤلاء «المخطوفين». والواقع أن هؤلاء الأعضاء ليسوا مختطفين كما تنشر الصحافة هذه الأيام. وإنما هم مختفون عن الأنظار في فيلات وفيرمات فلاحية نائية، يأكلون «البصطيلة» ويشربون الأنخاب وينامون في انتظار تشكيل المجالس البلدية. وهكذا يجمع الباحثون عن رئاسة المجالس الأعضاء الذين يعطونهم «الكلمة» للتصويت عليهم للرئاسة في ضيعة أو فيلا بعيدة، و«يعتقلونهم» هناك إلى حين وصول يوم انتخاب الرئيس، فيسوقونهم سوقا إلى مقر البلدية مباشرة نحو قاعة الاقتراع.
وكم يبدو سعر الصوت الذي باعه المواطنون خلال الانتخابات مضحكا وسخيفا بالمقارنة مع أسعار أصوات «المخطوفين». فثمن صوت «المخطوف» يتراوح بين 50 مليونا و120 مليون سنتيم. وطبعا، هذه الأسعار مرشحة للمزيد من الارتفاع، خصوصا في المدن الكبرى التي تتصرف مجالسها البلدية في ميزانيات تقدر بملايير الدراهم.
وهنا نفهم إصرار بعض المرشحين على دخول غمار الانتخابات والاستماتة في الفوز بمقعد مهما كلف الثمن. فهم يعرفون أن المقعد الذي سيفوزون به سيجعلهم يسترجعون كل الأموال التي صرفوها في شراء الأصوات منذ الأسبوع الأول لفوزهم.
برنامج «مخطوفون» الذي يتم تصوير حلقاته في أغلب المدن هذه الأيام يكشف بوضوح أن انتخابات المجالس البلدية لم تتغير عما كانت عليه زمن إدريس البصري، حتى إن وجوها كالحة من ذلك الزمن الغابر (من التغبار) خرجت من صناديق الاقتراع وعادت إلى مجالس المدن التي نهبتها في السابق.
ولعل الفرق الوحيد بين انتخابات السي ادريس وانتخابات السي بنموسى هي نسبة المشاركة التي يقولون اليوم إنها وصلت إلى 51 في المائة. فالنسب المائوية الخارقة للعادة والتي كانت تعلن عنها وزارة الداخلية في عهد البصري كانت كلها مزورة.
وإذا كانت لدى داخلية البصري طريقة مفضوحة في رفع نسب المشاركة، وذلك بالإعلان دائما عن تسعين في المائة فما فوق، فإن داخلية بنموسى لديها طرق أكثر دهاء، وهذا راجع إلى مهارات المهندس شكيب الحامل لدبلوم «إيمايتي» الأكثر شهرة في العالم.
ولكي ترفع وزارة بنموسى نسبة المشاركة لجأت إلى طريقة بسيطة تتكون من فكرتين. الأولى إلغاء تسجيل كل تلك الملايين من الناخبين الميؤوس من مشاركتهم في الاقتراع. وهي تلك الملايين من المواطنين الذين سجلتهم وزارة الداخلية خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة وخيبوا آمالها ولم يصوتوا. وبما أن المهندس بنموسى يطبق منطوق الحديث الشريف الذي يقول إن المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، فقد استوعب درس مقاطعة ملايين المواطنين المسجلين لصناديق الاقتراع. ولذلك عندما ذهب كثير من هؤلاء الذين قاطعوا الانتخابات البرلمانية للمشاركة في الانتخابات الجماعية اكتشفوا أنهم غير مسجلين. فقد شطبت عليهم وزارة الداخلية من لوائحها حتى تتجنب الإعلان عن نسبة عالية للمسجلين في اللوائح. وطبعا، عندما تخفض الداخلية من نسبة المسجلين في اللوائح فإن نسبة المشاركة في الاقتراع ترتفع، وكلما زادت نسبة المسجلين كلما نزلت نسبة المشاركة. وهذا ما يسميه المغاربة «كمشة نحل حسن من شواري دبان».
الطريقة الثانية التي رفعت بها وزارة بنموسى نسبة المشاركة هي وقوفها على الحياد عندما وصلتها أخبار نسب المشاركة المتدنية خلال الفترة الصباحية والزوالية. وهكذا فهمت أن تشددها في مراقبة استعمال المال في الانتخابات سيؤدي إلى بقاء نسبة المشاركة في حدود العشرة في المائة. وهي النسبة التي كانت ستكلف بنموسى ورجاله مناصبهم لا محالة.
وهكذا شهدت كل مدن المملكة في الفترة الممتدة ما بين الثانية بعد الزوال إلى حدود الساعة السابعة، موعد إقفال مكاتب التصويت، استعمالا سخيا للمال من أجل شراء الأصوات بالعلالي. ورأينا كيف هدد بعض المنتخبين بإحراق أنفسهم في الدار البيضاء احتجاجا على استعمال خصومهم للمال من أجل الفوز، وكيف تعرى البعض الآخر وسط الشارع وهو يرى التزام السلطة الحياد أمام المرشحين الذين كانوا «يتفاصلون» مع المواطنين على أصواتهم بدون خوف من المتابعة.
وهكذا «حجت» الألوف المؤلفة من الناخبين نحو صناديق الاقتراع. ومنهم من جاء بهم أصحاب دعوتهم في الحافلات والسيارات الخاصة لكي يلبوا نداء الواجب الوطني مدفوع الأجر مسبقا.
وهكذا حصلنا، في النهاية، بفضل عبقرية وزارة بنموسى، على نسبة مشاركة تفوق الخمسين في المائة، في الوقت الذي رأينا فيه كيف تندب أعرق الديمقراطيات بأوربا حظها التعيس وهي تكتشف أن نسبة مشاركة مواطنيها في الانتخابات البرلمانية الأوربية لم تتجاوز أربعين في المائة.
وكم اندهشت وأنا أتابع تقريرا في إحدى القنوات الفرنسية عشية الإعلان عن نتائج الانتخابات الأوربية حول مواطنين فضلوا الذهاب في ذلك الأحد إلى شاطئ البحر عوض الذهاب إلى صناديق الاقتراع. وقلت في نفسي أنه لو غامر مدير أخبار في التلفزيون المغربي بإنجاز تقرير مماثل لعلقوه أمام باب مكتبه لكي يكون عبرة لغيره. فبسبب تخويف المواطنين من العزوف وتصويره ككارثة مدمرة تتهدد استقرار البلد، أصبح الجميع يتجنب الحديث عن العزوف مخافة اتهامه بزعزعة عقيدة ناخب. هذا في الوقت الذي تتحدث فيه قنوات الإعلام العمومي في أوربا عن العزوف بدون عقد، محاولة فهم أسبابه وقراءة رسائله السرية.
وهكذا أغفلت وزارة بنموسى الحديث عن كل التجاوزات التي عرفتها الانتخابات الجماعية، وتلك التي تعرفها الآن، وأصبحت تتحدث فقط عن المشاركة.
سيقرأ بنموسى هذا الكلام وطبعا لن «يصور» منه لا حقا ولا باطلا، وكل ما سيقوله في سره وهو يبتسم: المهم هو المشاركة ...

17.06.2009

من أجل سواد عيون العقيد


سألني أحد المواطنين في القطار هل أستطيع أن أنام بالليل عندما أضع رأسي على الوسادة. فسألته بدوري عن سبب طرحه لهذا السؤال، فقال إنه لو كان مكاني مطالبا شهريا بتأمين 700 مليون سنتيم لدفع رواتب العاملين في مجموعة «المساء ميديا»، وتكاليف الطبع والضرائب، لما استطاع النوم ليلة واحدة دون أخذ أقراص منومة.
فقلت له على مهلك يا صديقي، فأنت لم تسمع بقية الحكاية. ولو سمعتها إلى النهاية لأصبت بالأرق المزمن والإجهاد والانهيار العصبي. فأنا لست فقط مطالبا بتأمين هذه المصاريف الشهرية فقط، بل مطالب بدفع 600 مليون سنتيم لوكلاء الملك الأربعة، وكل مرة يأتي فيها العون القضائي لكي ينفذ علي أحكامه أقول له أذهب إلى حسابي البنكي واسحب منه كل ما يوجد به، وإذا لم يكفك الأمر اذهب إلى المنزل الذي لازلت أكتريه بالرباط واحجز على الكنبة والتلفزيون والثلاجة والفرن وبعها وأعط ثمنها للسادة وكلاء الملك.
فسألني المواطن عن زيادة خمسين فرنكا في ثمن الجريدة، وكيف لازلنا نتحدث عن غرامة 600 مليون وقد مرت قرابة ستة أشهر على اليوم الذي رفعنا فيه سعر الجريدة من أجل دفع الغرامة. فقلت له إن الخمسين فرنكا التي أضفناها إلى سعر الجريدة بالكاد أصبحت تغطي تكلفة إنتاجها، فثمن الورق عرف زيادتين متتاليتين وصاحب المطبعة رفع ثمن الإنتاج، وهذا ما دفع كل اليوميات الأخرى إلى رفع سعر جرائدهم بخمسين فرنكا، دون أن يكون أحدهم محكوما عليه بدفع غرامة قدرها 600 مليون. فقال لي ولماذا إذن لا تعودون إلى الثمن الأصلي للجريدة، فقلت له إن هذا ممنوع علينا. فقانون الناشرين يسمح لك برفع سعر الجريدة إلى السقف الذي تشاء، لكنه يمنع عليك النزول تحت السقف المحدد من طرفهم، حتى لا يكون هناك من «يكسر» المنافسة.
وقبل أن يلتقط المواطن أنفاسه قلت له إنني لا أعاني أية مشاكل في النوم، بل بالعكس أجد صعوبة في الاستيقاظ كل يوم. على الرغم من أن هناك نوابا للملك لازالوا يطالبونني بستمائة مليون، ومحاميهم الذي حكمت له المحكمة بستين مليونا، وعمدة مراكش الذي يطالب هو الآخر بأربعمائة مليون، والمستغفر الذي استأنف قرار المحكمة القاضي بعدم قبول شكايته ويطالب بمائة مليون. وآخرهم ملك الملوك العقيد معمر القذافي، قائد الثورة الخضراء، والذي يطالبني بثلاثة ملايير سنتيم.
فقال لي المواطن وعلامات الدهشة بادية على وجهه إن من تواجهه كل هذه الأحكام المجنونة لا ينام فقط، بل يدخل في غيبوبة عميقة لا يستفيق منها أبدا. فقلت له ربما يحدث ذلك للضعفاء الذين يرتعدون بسبب هذه الأحكام والقضايا التي تريد تكميم أفواه الصحافيين أكثر من أي شيء آخر، لكن بالنسبة إلي ففي اليوم الذي طالبني فيه دفاع العقيد بثلاثة ملايير سنتيم كتعويض عن الضرر، جمعت حقيبتي الصغيرة وذهبت إلى النادي الرياضي وضربت الدنيا بركلة كما يقول المغاربة وغرقت بين آلاتها الحديدية ودراجاتها الثابتة ونسيت العالم بأسره.
فالعقيد ربما قرأ عن التعويضات الخيالية التي يحكم بها قضاؤنا ضد الصحافيين، فتشجع وطبق المثل المغربي الذي يقول «اللي يطلبها يطلبها كبيرة»، وطلب ثلاثة ملايير من كل جريدة من الجرائد الثلاث التي يتابعها بتهمة انتقاد جلالته، مع أن أزنار، الرئيس السابق لدولة ديمقراطية اسمها إسبانيا، لم يطالب مدير مجلة «لوبسيرفاتور» سوى بمائة وعشرين ألف أورو عندما كتب هذا الأخير أن أزنار هو «صاحب دعوة» رشيدة داتي، وأن ابنتها «الزوهرة» هي من صلب «الصبليوني». ولم يلجأ أزنار إلى القضاء إلا بعد رفض مدير المجلة نشر تكذيب للخبر. وطبعا، فأزنار الذي انتخبه الشعب مرتين ليقود ديمقراطية شابة كالديمقراطية الإسبانية ليس في مثل مقام ملك ملوك إفريقيا الذي يتربع (يتربع ويتبرع) في السلطة هو وأبناؤه منذ ما يزيد على أربعين سنة. فلكل مقام مقال، ولكل مقال غرامته المناسبة، خصوصا إذا تجرأ وانتقد العقيد.
ويبدو أن العقيد لديه مشكل فقط مع الصحافة المغربية، لأن جريدة «لاريبوبليكا» الإيطالية عندما كتبت، بمناسبة زيارة القذافي لورما، أن هذا الأخير ليس سوى ديكتاتوري يحتكر جميع السلطات، فإن القذافي ابتلع لسانه ولم يرفع أية دعوى قضائية ضد الجريدة أو الصحافي الذي وصفه بالدكتاتور. اللهم إذا كان لقب الدكتاتور، في نظر القذافي، تشريفا وليس شتيمة.
فهو يعرف مسبقا أنه لا يوجد في إيطاليا قاض واحد سيقبل النظر في شكايته ضد الصحافة، هو الذي ترك ممثلي الشعب الإيطالي ينتظرونه في البرلمان لساعتين كاملتين قبل أن ينصرفوا غاضبين ويلغي رئيس البرلمان اللقاء من أصله. ولكي يبرر القذافي هذه الإهانة الموجهة إلى الشعب الإيطالي قال لهم إنه تأخر بسبب صلاة الجمعة. فهل هناك صلاة جمعة في العالم تدوم ساعتين كاملتين.
وحسنا صنع أحد المسؤولين الإيطاليين حين استقبل القذافي وهو يحمل على صدره صورة طائرة «بناميريكا» التي تورط نظام العقيد في إسقاطها فوق سماء بلدة لوكربي، كجواب ذكي عن صورة المجاهد عمر المختار التي ألصقها القذافي فوق بزته العسكرية. فقد أراد أن يذكر الإيطاليين بما فعله عمر المختار بجيوشهم، فوجدوا من يذكره بما فعله بالركاب الـ259 الأبرياء الذين ماتوا في تحطم الطائرة.
وربما وجد العقيد في محاكمة الصحف المغربية مناسبة للتفكير في استرجاع جزء من التعويضات السخية التي منحها لعائلات ضحايا طائرة «لوكربي». فالرجل صرف ملايين الدولارات في هذه القضية، وربما يحتاج إلى مساعدة مالية من طرفنا.
لنكن واقعيين وصرحاء، إن من يحاكم الجرائد الثلاث ليس القذافي وإنما الدولة المغربية في شخص حكومتها العباسية. فالنيابة العامة التي يرأسها وزير العدل، الاتحادي عبد الواحد الراضي، هي التي حركت الشكاية التي أحالتها عليها وزارة الخارجية التي يوجد على رأسها قريب للوزير الأول اسمه الفاسي الفهري، أي أن ما نراه في الواقع هو محاكمة للصحافة بالوكالة بغرض قتلها ماديا وإغلاق مقراتها وتشريد آلاف العاملين بها، مادام إغلاق أفواه أصحابها غير ممكن. ولصالح من تلعب الحكومة هذا الدور الجبان، لصالح دكتاتور كان يصف الحسن الثاني بملك المغرب والحشيش، كما قال محامي الجرائد المتابعة في جلسة الاثنين، قبل أن ينبهه القاضي إلى أنه خرج عن الموضوع.
فالقذافي لا يعترف بشيء اسمه سلطة القضاء أو القانون في بلاده، فكيف سيعترف بها في بلدان الآخرين. وكم كان مثيرا لسخرية الإيطاليين عندما قال لهم إنه لو كان الأمر بيده في إيطاليا لحل جميع الأحزاب السياسية ووضع السلطة بيد الشعب. وربما لو كان بيده أيضا لأغلق جميع الصحف والقنوات والإذاعات الحرة وسلط عليهم قناة «الجماهيرية» إلى أن يموتوا جميعا من الضجر.
ولو كان العقيد القذافي يحترم القضاء والعدالة لكان أجبر أبناءه على احترام أحكامها أولا. فابنه حنيبعل ممنوع من تأشيرة الدخول إلى فرنسا منذ 2005، ومع ذلك تحدى هذا المنع وحضر لمهرجان «كان» بيخته سنة 2007، كما أن اسمه مسجل ضمن لوائح زبائن شبكة للدعارة تم تفكيكها في مدينة «نيس» من طرف الشرطة القضائية الفرنسية.
وحتى أبناؤه الآخرون الذين ليست لهم مشاكل مع القضاء الأوربي يفعلون كل ما بوسعهم لكي يقدموا أنفسهم كعباقرة. فابنه سيف الإسلام يعرض لوحاته التشكيلية السخيفة ويعتقد نفسه «بيكاسو»، أما ابنه السعدي فقد أنفق ملايين الدولارات لكي يصنع لنفسه مجدا كرويا في إيطاليا، لكنه فشل في الأخير ولم يلعب طيلة سنتين سوى ربع ساعة، وفوق هذا تم توقيفه بتهمة تعاطي المنشطات.
أما ابنه محمد فعندما هزم فريقه الكروي فريق أخيه السعدي أشهر حراسهما الشخصيون أسلحتهم النارية وفتحوا النار على بعضهم البعض وأسقطوا قتلى على رأسهم حكم المباراة. هذا هو ما يسميه المغاربة «ضحك الغولة مع ولادها».
أما ابنته عائشة فقد منحت مؤسستها «جائزة الشجاعة» لمنتظر الزيدي تشجيعا له على ما قام به عندما قذف الرئيس الأمريكي السابق بحذائه. ابنة العقيد تمنح جائزة لصحافي يقذف رئيس دولة بحذاء، وتلتزم الصمت عندما يطالب والدها ثلاث جرائد بثلاثة ملايير لكل واحدة منها، مع أن صحافيي هذه الجرائد لم يقذفوا والدها بأي حذاء، بل انتقدوه كما ينتقدون وزيرهم الأول وملكهم.
فهل أصبح مسموحا لنا في المغرب بانتقاد الملك والخوف من انتقاد معمر القذافي؟
لهذا فهذه المحاكمة ليست إهانة فقط للشعب الليبي الذي أعطى للتاريخ رجلا مجاهدا وشهيدا كعمر المختار، وإنما هي أيضا إهانة للشعب والدولة المغربية. لأنها ستحولنا جميعا، مرة أخرى، إلى أضحوكة أمام العالم. وإذا كان القذافي ليس لديه ما يخسره في هذه المحاكمة السخيفة، فإن المغرب لديه ما يخسره، سمعة قضائه وهامش الحرية الذي يميزه عن كل هذه الدول العربية من الماء إلى الماء، ومقاولاته الصحافية الحرة والمستقلة التي هي صمام الأمان الذي يحميه من كل الصدمات المحتملة.
فهل المغرب مستعد للمقامرة بكل هذا من أجل سواد عيون العقيد؟

16.06.2009

المشتاق إلى ذاق



في الوقت الذي كان فيه فؤاد عالي الهمة يحتفل باكتساحه لخريطة الجماعات المحلية بالمغرب، وإلى جانبه فيصل العرايشي، مدير القطب العمومي، الذي أوصل قنواته إلى حافة الإفلاس المالي، كان الباكوري مدير صندوق الإيداع والتدبير يقف خارج مقر حزب الأصالة والمعاصرة للحظات قليلة قبل أن يغادر بدون سبب واضح.
ويبدو أنه كان قد تشمم قبل الجميع رائحة الحبر الذي سيكتب به رشدي الشرايبي قرار إعفائه من مهامه على رأس مغارة علي بابا التي تستخرج منها الدولة جواهرها الثمينة عند الحاجة. ساعات بعد ذلك، سينزل في مكتب شكيب العروسي، قرار تعيين فاسي آخر على رأس صندوق الإيداع والتدبير مكان «ولد فضالة»، الاسم القديم للمحمدية، والذي جاء به عراب المهندسين المستشار الملكي مزيان بلفقيه من مدرسة الطرق والقناطر بباريس إلى الرباط لتعزيز حلقات سلسلة المهندسين الطويلة التي ربط بها المؤسسات العمومية. وبعد ذلك، تكفل «ولد سيدي بنور»، علي بوزردة مدير وكالة الأنباء الرسمية، بتعميم الخبر.
أولئك الذين لديهم حاسة شم قوية كانوا يعرفون أن «دبانة الباكوري زراقت» بما يكفي، وأن قرار إعفائه قادم لا محالة. فالرجل اعتقد أن «لعنة الفاسيين» لن تصيبه مادام في حمى «ولد السراغنة» فؤاد عالي الهمة.
ولربما كان الخطأ الكبير الذي اقترفه «باكو» هو ابتعاده عن المستشار مزيان بلفقيه واقترابه من الهمة عبر حركة لكل الديمقراطيين والتي حشر صندوق الإيداع والتدبير ضمن الرعاة الرسميين لأنشطتها. كما ظهر إلى جانبه في سباق السيارات في مراكش والملتقيات الرياضية والسياسية.
وظهور مزيان بلفقيه في آخر نشاط رسمي له بدون شعر بسبب جلسات العلاج الكيماوي الذي يخضع له في باريس لعلاج سرطان الكبد، شفاه الله، تعطي صورة واضحة عن علاقة المسؤولين المغاربة بالسلطة وببعضهم البعض.
فقد تحدثت إحدى الجرائد عن «طمع» فيصل العرايشي، مدير القطب الإعلامي العمومي المفلس، في كرسي المستشار المريض، بعد أن انتهى إلى علمه أن منصبه على رأس القطب العمومي أصبح على كف عفريت. أما «باكو» فقد أكد مقربون منه أن كرسي المستشار سيكون من نصيبه لا محالة. وبما أن المستشار ليس من حقه أن يكذب ما ينشر في الصحافة عن طريق بيان حقيقة، فقد اختار أن يكون بيان حقيقته هو خروجه إلى العلن وآثار العلاج الكيماوي بادية على محياه. حتى يقنع الطامعين في تقسيم إرثه، وهو لا يزال على قيد الحياة، بأنه مستمر في منصبه إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
فالوزراء والمستشارون لا يعفون من مهامهم لأنهم يمرضون مثل سائر عباد الرحمان، وإنما يظلون في أماكنهم إلى أن تختطفهم يد المنون. ومثال الوزير عبد الصادق ربيع الأمين العام للحكومة، والذي بقي يمارس مهامه رغم مرضه الطويل إلى أن انتقل إلى جوار ربه، لازال حاضرا في الأذهان. والمثال الأقرب إلينا هو مثال وزيرة الثقافة التي لازالت بعد علاجها تجد صعوبة في النطق، ومع ذلك لم تعف من مهامها لدواع صحية كما يحدث في كل الدول الديمقراطية.
غير أن صداقة الباكوري مع الهمة لم تكن «مجانية». فالهمة يقود ماكينة حزبية مدمرة تأتي على الأخضر واليابس. وهذه الماكينة بحاجة إلى «تشحيم» لوالبها يوميا. ومن هنا جاءت الحاجة إلى صداقة مدير بنك الدولة السخي. لكن يبدو أن «باكو» لم يفهم الدرس جيدا، وأبدى بعض التحفظ في «تشحيم» مفاصل جرارات الهمة، مستحضرا مثال مولاي الزين الزاهيدي الذي كان يمتثل لتعليمات وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري وينفذ طلباته عبر الهاتف بدون تردد. «باكو» تردد، وكان هذا التردد بمثابة النقطة التي أفاضت كأس الصداقة بين الرجلين.
ولذلك جاء قرار عزل «باكو» في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه الداخلية عن احتلال حزب الهمة، الذي أنشئ قبل سنة فقط، للمرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية، متقدما على أحزاب أنشئت قبل أكثر من خمسين سنة، وكأنه يقول للباكوري «رابح رابح، بيك ولا بلا بيك».
وهذا اختراع سياسي مغربي عجيب يجب أن يفكر صانعوه منذ الآن في طريقة لتصديره نحو الخارج. فليس سهلا أن ينجح حزب حديث الولادة في هزم تسعة وعشرين حزبا، بينها أحزاب قضت نصف قرن في دواليب الحكومات والبرلمانات والجماعات المحلية. وربما تلهم هذه التجربة أقطاب حزب الأصالة والمعاصرة كتابا سياسيا يشرح طريقتها في اكتساح الخريطة الجماعية للمغرب عنوانه «كيف تؤسس حزبا وتشارك في الانتخابات وتفوز بالمرتبة الأولى في خمسة أيام وبدون معلم».
البعض يرى في الطريقة المقتضبة والجافة التي كتب بها بلاغ الإعفاء نوعا من عدم الرضى على «باكو»، خصوصا وأن اسمه لم يذكر في البلاغ، وكل ما تم ذكره هو اسم أنس العلمي الذي أخذ كرسي «الباكوري»، ومعه راتبه الشهري الذي يصل إلى ثلاثة عشر مليون سنتيم، قادما إليه من كرسي الإدارة العامة للبريد والذي كان يتقاضى عنه ثمانية ملايين سنتيم في الشهر.
والبعض الآخر يرى أن دولة «الفاسي الفهري» هي المستفيدة من ذهاب الباكوري وتعيين فاسي مكانه. ويرد البعض الفضل في هذا الاقتراح إلى المستشار الملكي القباج، الذي دافع عن تعيين أنس العلمي، فاسي مثله، على رأس أكبر وأقوى مؤسسة مالية في المغرب.
ويبدو أن أنس العلمي سيكون عليه أن يقبل بثلاثة عشر مليون سنتيم في الشهر، بعد أن كان يطمع في خمسة وعشرين كيلو التي يتقاضاها والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري. وهو المنصب الذي كانت كل التكهنات تشير إلى أن كرسيه سيرسو على أنس العلمي، قبل أن تذهب كل المؤشرات هذه الأيام نحو نور الدين بنسودة المدير العام للضرائب.
وإلى حدود اليوم، سمعنا عن إعفاءات بالجملة لمسؤولين يرأسون مؤسسات عمومية، لكن الأسباب الحقيقية تظل في علم الغيب. ذهب المدير العام للقناة الثانية مصطفى بنعلي، وذهب المدير العام للقرض العقاري والسياسي خالد عليوة، وذهب المدير العام للمكتب الوطني للكهرباء يونس معمر، وذهب مدير وكالة المغرب العربي للأنباء خباشي، وذهب مدير مسرح محمد الخامس نسيب المسناوي، وذهب معهم آخرون. كلهم ذهبوا ببلاغ رسمي مقتضب، لكن ذهابهم ظل لغزا لا يعلم أسراره سوى الراسخون في المناصب.
وهناك من يتقبل قرار إعفائه بصدر رحب، فيطوي الصفحة ويعود إلى عمله الأصلي. وهناك آخرون تحل بهم الصدمة ويعتبرون قرار إعفائهم غير مقبول. مثل مصطفى بنعلي، مدير دوزيم السابق، الذي رفع دعوى قضائية ضد الشركة التي كان يشتغل معها وطالبها بثلاثة ملايير كتعويض عن الطرد، أو مدير مسرح محمد الخامس الذي رفض قبول قرار إعفائه من طرف وزيرة الثقافة واشترط كي يقبل قرار إعفائه أن يصدر عن الملك شخصيا.
«الولف صعيب»، خصوصا إذا كان هذا «الولف» قد تربى حديثا. وقديما قال المغاربة «يا ويلك من المشتاق إلى ذاق». وسواء كان ما يتذوقه المشتاق كرسي سلطة أو منصبا نافذا أو مجرد منصب مستشار لا يستشار وإذا استشير لا يؤخذ برأيه، فإن السيوف تخرج من غمدها وتطيح الأرواح حول الكرسي المنشود، خصوصا إذا كانت الطريق إليه مفروشة بعشرات الكيلوات من الملايين.

14.06.2009

تـذكــر


وأنت تغسل أسنانك في الصباح تاركا للمياه أن تنهمر من الصنبور، تذكر أن غيرك يقف في صف طويل أمام الآبار والسواقي في انتظار دوره للحصول على قطرة ماء، وغالبا ما يعود إلى البيت بدونه.
وأنت تدير مفتاحك في قفل باب بيتك الحديدي المصفح، تذكر أن غيرك مازال بلا بيت، وآخرين لازالوا يسندون أبواب أكواخهم بالمكنسة.
وأنت تملأ حوض السباحة في إقامتك الفارهة تحسبا لضيوف مفاجئين مع هذا الحر المفاجئ، تذكر أن غيرك لازال يملأ الأسطل وأواني الغسيل تحسبا لعطش مفاجئ.
وأنت تدخن سيجارك الكوبي الفاخر المفتول فوق سيقان كوبيات عذراوات، تذكر أن غيرك يحاول توفير ثمن ما تدخنه أنت لكي يستطيع اقتناء أنبوب «الفونطولين» لأطفاله المصابين بالربو. وعندما تختنق أنت بسبب الضحك وتغرورق عيناك من القهقهة في سهراتك الليلية، تذكر أن غيرك يختنق في سهره الليلي بسبب السعال وتغرورق عيناه بالدموع عندما لا يجد ما يخفف به عن فلذات كبده المحترقة.
وأنت تشتري الخبز الفرنسي المستورد من المخبزات الأنيقة، تذكر أن غيرك لازال يسخن خبز الأمس بعد أن يرشه بالماء.
وأنت تحمل أطفالك بين ذراعيك لتنزل بهم إلى الشاطئ ليقضوا نهارا سعيدا، تذكر أن غيرك يحمل أطفاله بين ذراعيه أيضا ويقف بهم أمام أبواب المستشفيات الموصدة في انتظار حقنة أو قرص أسبرين.
وأنت تدهن جسدك بالمرهم تحت الشمس فوق رمال الشاطئ لتنتزع لحظة ممتعة، تذكر أن غيرك يقف تحت الشمس أيضا بجسد مدهون عن آخره بالعرق لينتزع رغيف الخبز لأبنائه من بين أنياب الزمن المتوحش.
وأنت تدفع ألف درهم لكي تدخل سهرة وتلتقط صورة مع مطربك المفضل، تذكر أن غيرك يوفر المبلغ نفسه لشهور طويلة لكي يلتقط لأطفاله صورا إشعاعية على الصدر.
وأنت تفتح ثلاجتك في المطبخ لكي تأخذ مبردا، تذكر أن غيرك يفتح باب الفرن لتلفحه نيران الحطب التي تنضج خبز الجيران.
وأنت تنتظرين أبناءك لكي يعودوا هذا الصيف من الدول البعيدة حيث يتابعون تعليمهم العالي، تذكري أن أمهات كثيرات غيرك ينتظرن فقط هاتفا من أبنائهن الذين هجروا الوطن على ظهر مركب في ليلة مقمرة ولم يعودوا أبدا.
وأنت تذرفين الدموع لأنك تودعين ابنتك الذاهبة للعيش مع زوجها في بلاد أخرى، تذكري أن أمهات غيرك ينتحبن وهن يودعن بناتهن الذاهبات إلى المدن البعيدة ليشتغلن خادمات في بيوت الآخرين.
وأنت ترمي بقايا الأكل في القمامة، تذكر أن غيرك مازال عندما يعثر على كسرة خبز مرمية في الطريق يحملها بين راحتيه ويقبلها ثم يدسها في ثقب على الجدار ويمضي مرتاح البال.
وأنت تخطط داخل سيارتك المصفحة لكي تصل إلى منصب مرموق، تذكر أن غيرك يخطط فقط داخل سيارة أجرة حقيرة لكي يصل إلى بيته سالما وبأطرافه كاملة.
وأنت تسقي حديقة بيتك الصغيرة كل مساء، تذكر أن غيرك يقف وسط حقله كل صباح ويرفع عينيه إلى السماء باحثا عن أثر للغيوم، بينما دموعه تسقي لحيته المطرزة بالشيب.
وأنت تفكر في ماذا ستصنع هذه الليلة لترفه عن نفسك، تذكر أن غيرك يفكر في ماذا سيصنع هذه الليلة إذا فاجأ المخاض زوجته وليس في جيبه ما يدفعه للمصحة مقابل العملية القيصرية التي لا مفر منها.
وأنت تشعر بالغضب لأن ابنتك أصبحت تدخل إلى البيت متأخرة، تذكر أن غيرك لم يعد يشعر سوى بالأسى منذ غادرت كل بناته البيت ليحترفن النوم في بيوت الغرباء.
وأنت تصوب بندقيتك نحو الطيور في نزهة قنص عندما تريد أن تنفس عن قلبك، تذكر أن غيرك هناك من يصوبون نحو جسده عصيهم في الشوارع عندما يريد أن ينفس عن وضعيته بالاحتجاج.
وأنت تشكو من ضيق موقف سيارتك، تذكر أن غيرك يشكو من ضيق في جيبه.
وأنت تبكي لأن حبيبتك تركتك في أجمل سنوات العمر، تذكر أن غيرك يبكي لأن الوطن تخلى عنه في أحلك أوقات العمر.
وأنت تستعد للنوم، تذكر أن غيرك يستعد للأرق.
وأنت تفتح عينيك في الصباح، تذكر أن غيرك تبقى عيناه مغلقتان إلى الأبد.
وأنت تستجمع قواك و تنهض من الفراش، تذكر أن غيرك ليست له قوى يجمعها ويبقى فوق فراشه لبقية العمر.
وأنت تنظر في الصباح من خلال النافذة لترى العالم وتقول لجارك صباح الخير، تذكر أن غيرك يحاول أن ينظر فلا يرى سوى الظلمة من حوله ويحاول أن يتكلم فلا تخرج من فمك كلمة واحدة.
وأنت تحار أمام واجهات المتاجر الراقية أي هدية يمكن أن تشتري لزوجتك، تذكر أن غيرك يحار وهو يقف أمام باب منزله أي مفاجأة تعيسة يمكن أن يزفها أولا إلى زوجته، مفاجأة طرده من العمل أم مفاجأة طردهما معا من البيت.
وأنت تندب حظك لأنك لم تصبح بعد كل هذا الوقت وزيرا، تذكر أن غيرك يندب حظه لأنه لم يصبح بعد كل هذا العمر فقط إنسانا في نظر حكومته.
وأنت تتوقف بسيارتك في الشارع لتلتقط فتاة من الرصيف، تذكر أن هذه الفتاة التعيسة كان يمكن أن تكون، بقليل من سوء الحظ، ابنتك أو أختك.
وأنت تعطي الأوامر بضرب شاب يحتج على وضعيته البائسة، تذكر أن هذا الشاب كان يمكن أن يكون أنت لو أنك أتيت في وقت آخر.
وأنت مزهو بسيارة أبيك وبمنصب أبيك وباسم أبيك، تذكر أن غيرك قد دفن أباه منذ وقت طويل وخرج إلى الحياة يصارعها بذراعيه العاريتين، وكل الزهو الذي يشعر به هو عندما يقولون له من أنت، فيجيبهم باسمه الشخصي وليس العائلي.
وأنت تنظر باحتقار إلى طوابير المتسولين من وراء زجاج سيارتك الرسمية، تذكر وجوه هؤلاء البؤساء جيدا. فغدا قد تأتي بدورك لتتسول أصواتهم.
وأنت تقرأ هذا الكلام تذكر أن غيرك لا يستطيع القراءة، لأنه عوض أن يعلموه حروف الهجاء علموه فقط حروف الطاعة والولاء.

13.06.2009

التكوغيطة


السؤال الذي يطرحه الجميع بعد انتهاء الحملة، هو أين ستذهب هذه الملايين من أوراق الدعاية الانتخابية. بالأمس، أثار انتباهي ركام من هذه الأوراق في مصعد العمارة، وعندما فتحت صندوق الرسائل وجدت كومة أخرى من الأوراق. وعندما فتحت الباب عثرت على كومة أخرى دسها أحدهم من تحته. ومن كثرة الأوراق التي صرت أعثر عليها في كل مكان أذهب إليه خفت أن أفتح صنبور الحمام فتخرج لي منه أوراق المرشحين وصورهم الملونة ووعودهم المعسولة. ولعل واحدة من مفارقات هذه الانتخابات أن الذين يعدون السكان بتخليص دوائرهم من القمامة في الشوارع في حال التصويت عليهم هم أول من يساهم في تلويث هذه الشوارع بقمامتهم الانتخابية.
فأين ستذهب، إذن، كل هذه الأطنان من الأوراق ؟
في مدينة صغيرة وهادئة من مدن الأطلس الصغير، يعرف الجميع أين تنتهي هذه الأوراق، خصوصا «فاضمة» التي تسارع إلى إمداد زوجها بكمشة منها كلما نادى عليها من داخل المرحاض :
- أفاضمة، أويد شان المرشح...
ما معناه بالأمازيغية الأطلسية «أفاضمة، جيبي شي مرشح». فالعديد من الأسر التي ليست لديها القدرة على تخصيص مصروف يومي لاقتناء ورق المراحيض، تلجأ إلى استغلال الأوراق المجانية التي تجمعها «مولات الدار» من هنا وهناك لاستعمالها كأوراق «طواليط». وبما أن الحملة الانتخابية الأخيرة وفرت الآلاف من الأوراق المجانية التي يحملها المرشحون إلى غاية البيوت، فإن العائلات وجدت صعوبة في الاختيار بسبب وفرة العرض.
انتخابات هذه السنة حركت مطابع بعض المدن الراكدة، وخلقت مناصب شغل مؤقتة. لكن هذا لم يمنع أرباب المطابع من مطالبة وكلاء اللوائح بالدفع المسبق قبل تسليمهم أوراقهم. فالتجربة علمت هؤلاء أن المرشحين الذين يستطيعون الاحتيال على دائرة كاملة لن يجدوا صعوبة في الاحتيال على مدير مطبعة.
وليس أرباب المطابع وحدهم من اشترطوا الدفع المسبق لوكلاء اللوائح قبل تسليمهم أوراقهم المطبوعة، بل حتى الجرائد التي نشرت لبعض هؤلاء إعلانات إشهارية، فلا أحد يضمن للمسؤول التجاري لهذه الجرائد أن المرشح سيدفع تكاليف إعلانه المنشور في حالة سقوطه في الانتخابات، يعني أنه إذا نجح يمكن أن يدفع للإدارة، وإذا سقط ما على الإدارة سوى أن «تشد في البولة الحمرا».
مصير «الكاغيط» مصير مجهول لدى الأغلبية الساحقة من المغاربة. ومع أن الجميع يعرف أين كان ينتهي «كاغيط» قوالب السكر و«كواغط» العطرية التي كانت تشتريها أمهاتنا من الأسواق، فإن الغالبية العظمى تجهل أي مصير ينتظر «كاغيط» الجرائد مثلا.
وقبل أن نشرح لكم أين يمضي «كاغيط الجونان»، دعونا نستحضر قليلا تلك السنوات البعيدة التي كان فيها استعمال أوراق «الطواليط» البيضاء أو الوردية في مراحيضنا ضربا من الترف. طبعا، بالنسبة إلى الذين كانت لديهم مراحيض، فالمعروف أن أكثر من نصف المغاربة كانوا يلجؤون إلى الخلاء للتوسع. وفي آخر إحصاء قدمته منظمة الصحة العالمية خلال «قمة المراحيض» (حاشاكم) المنظمة في الهند، والذي حضرته وزيرة الصحة ياسمينة بادو، أشارت هذه الأخيرة إلى أن نسبة كبيرة من المغاربة يفتقرون في بيوتهم إلى مراحيض.
ولذلك فقلة قليلة من البيوت المغربية كانت تغامر باقتناء هذه «الرولوات» الباهظة التي كان ثمنها يساوي ثمن دفتر من فئة 24 ورقة. وهكذا كان الحل الوحيد، بالإضافة إلى الاستنجاء بالماء، هو اللجوء إلى «كاغيط» قوالب السكر و«راس الحانوت». ومن هنا، أرى ابتسامة بعضكم الساخرة وهو يتذكر كل المرات التي قاده فيها حظه العاثر إلى استعمال «كاغيط» كان يحتوي على «البزار» أو «الفلفلة» السودانية. فمثل هذه الأخطاء «القاتلة» في اختيار «الكاغيط» المناسب تحول الإنسان الوديع إلى ثور جامح بسبب بقايا «البزار» الحار.
وهناك، طبعا، استعمالات أخرى يمكن أن ينفع فيها «الكاغيط» قالب السكر. وأشهرها على الإطلاق هو استعماله في «فتخ» الزعتر وتدخينه لمقاومة أعراض أنفلونزا فصل الشتاء. ومن منا لم «تبرم» له جدته «جوان» من الزعتر المجفف وسط قطعة من «الكاغيط لزرق» لكي يستنشق دخانه ويعافى دون اللجوء إلى المضادات الحيوية التي يصفها الأطباء اليوم للأطفال ويخربون بها مناعتهم منذ الصغر.
وإذا كان الجميع تقريبا يعرف النهاية الطبيعية لأوراق الدعاية الانتخابية، فإن قلة من المغاربة تعرف المصير الذي ينتهي إليه «كاغيط» مرجوعات الجرائد التي لا تجد من يشتريها.
وعلى عكس ما يعتقده البعض، فبعض مسؤولي الجرائد لديهم نسبة مائوية من عائدات بيع مرجوعات جرائدهم، خصوصا الحزبية، ولذلك فليس من مصلحتهم أن تباع الجريدة أصلا، لأنه كلما بيعت الجريدة فإن هامش عائداتهم من ثمن المرجوعات يضيق. ومنهم من يفعل المستحيل لكي يغتال جريدته حتى لا يشتريها أحد، وبذلك يستطيع بيع مرجوعاتها وتحصيل نصيبه من الكعكة. ومادامت مثل هذه الجرائد تحصل على المنحة السنوية من أموال دافعي الضرائب عن طريق خزينة المملكة، فإنها لا تولي مستقبلها أي اهتمام، مادام «الصيروم» مضمونا.
وأستطيع أن أجزم بأن قلة قليلة تعرف أن المربعات الكارتونية التي تشتري فيها البيض من السوق، مصنوعة من عجينة أوراق الجرائد. وهناك شركة في الدار البيضاء تشتري مرجوعات الجرائد بالكيلو وتطحنها لتحولها إلى عجينة، ومن تلك العجينة تصنع «باليطات» البيض التي ترونها في الأسواق.
وهذه الشركة تطحن فقط «كاغيط» الجرائد المكتوبة باللغة العربية، أما الجرائد المكتوبة باللغة الفرنسية فثمنها أغلى في السوق، وهي مخصصة لشيء آخر غير ضمان سلامة البيض. ومن منا لم يلاحظ أن «الطولوريات» الذين يعيدون صباغة السيارات يستعملون فقط الجرائد المكتوبة بالفرنسية. وحجتهم في ذلك أن اللغة العربية التي تكتب بها الجرائد هي لغة القرآن ولا يصح امتهانها بإلصاقها فوق زجاج السيارات وطلائها بالصباغة.
وإذا كان أصحاب بعض الجرائد يجنون أرباحا من وراء عدم إقبال القراء على اقتناء جرائدهم، فإن هناك جرائد أخرى تستهلك «الكاغيط» وتصدر بشكل يكاد يكون سريا. وهي جرائد أسبوعية في الغالب يلجأ إليها بعض المحامين لنشر إعلانات «السيزي» التي تشهدها المحاكم.
وعندما تقلب أوراق تلك الجرائد تعثر على مقالتين غير موقعتين والباقي كله عبارة عن إعلانات قضائية لبعض المحامين في الدار البيضاء. وبما أن القانون يفرض إطلاع الرأي العام عن طريق النشر على أمكنة وتواريخ إجراء هذه «السيزيات»، فإن الهدف من نشر هذه الإعلانات في هذه الجرائد التي لا يعرف أحد بوجودها هو ضمان عدم إطلاع المعنيين بأحكام «السيزي» عليها. وهكذا يغيبون عن الجلسة ويكون هناك من يقتنص الفرصة مكانهم.
وهناك سماسرة يتربصون يوميا في المحاكم بملفات «السيزي»، وحتى إذا قرأ المعني بالأمر الإعلان في تلك الجرائد وجاء للمشاركة في استرجاع ممتلكاته المعروضة في «السيزي» ونجح في ذلك، فإنه يفاجأ بأحد أولئك السماسرة يطالبه بعشرة ملايين سنتيم لكي لا يزايد عليه ويقترح في خلال عشرة أيام التي يمنحها القانون مبلغا أكثر من المبلغ الذي دفعه هذا الأخير للمحكمة.
وهكذا يستثمر هؤلاء السماسرة في تجارة «الكاغيط» ويجنون الملايين دون أن يغادروا مقاعد مقاهيهم بجانب المحاكم.
وكما ترون فلكل نوع من أنواع «الكاغيط» في المغرب استعمال مختلف، لكن في الأخير يلقى «الكاغيط» بعد الانتهاء من استعماله المصير ذاته.

12.06.2009

مولات الفرماصيان


إلى حدود اليوم رأينا كيف أن الحملة الانتخابية يمكن أن تنتهي بأصحابها في المجلس الجماعي أو في السجن أو في غرفة المستعجلات أو أمام المحاكم. لكن لا أحد كان يتخيل أن الحملة الانتخابية يمكن أن تنتهي بصاحبها في مستشفى الأمراض العقلية.
وهذا ما وقع لمواطن مستقل من خريبكة، طبع أوراقا انتخابية على حسابه واختار رمزا غير موجود في لائحة الرموز التي وافقت عليها وزارة الداخلية. فقد اختار صاحبنا رمز «الفردي»، وخرج ليقوم بحملته الانتخابية طالبا من المواطنين أن يساندوا لائحته «الفردية» ويصوتوا على رمز المسدس، رغم أنه لم يكن مسجلا في قوائم المرشحين. والظاهر أن الرجل لا يتوفر فقط في جيبه على «كواغط» الدعاية الانتخابية، وإنما أيضا على «كواغط» الطبيب. ولذلك بعد التحقيق معه تم إيداعه مصلحة الطب النفسي بمستشفى الحسن الثاني بخريبكة.
ولعل أول من عليه أن ينخرط في لائحة «الفردي» هو مدير وكالة الأنباء، علي بوزردة، الذي أورد الخبر. فالرجل منذ توليه مقاليد تسيير الوكالة وهو «جابد الفردي» على موظفيه ومستخدميه. وآخر ضحاياه هو مراسل الوكالة في لشبونة، والذي اتصل به بوزردة على هاتفه ولم يرد، فما كان منه إلا أن أخبره عن طريق السكرتارية بأن يجمع حقائبه ويدخل إلى الرباط. وليس وحده، بل أدخل كثيرين لمجرد أنه استفاق في الصباح و«رشقات ليه عليهم».
ورغم علامات الاختلال العقلي التي أبداها «مول الفردي»، (ديال خريبكة طبعا) فإن ما قام به يكشف عن روح دعابة وسخرية ذكية قلما نعثر عليها في هذا الزمن المغربي. إنها السخرية نفسها التي دفعت بأطفال في سلا إلى كتابة أسمائهم على الحائط ضمن خانات المرشحين وخربشة رمزهم الانتخابي على شكل «ميخي» مضحك إلى جانب الرموز الحزبية للمرشحين «مالين العقل». وهي السخرية نفسها التي دفعت بعضهم إلى رسم شارب على وجه صورة ياسمينة بادو في سباتة، أسوة بكل أولئك «الشلاغمية» الذين يظهرون خلفها في الصورة.
ولعل الطريقة الأخيرة والناجعة لدفع المغاربة إلى الاهتمام بالانتخابات والمشاركة فيها هي اختراع رموز انتخابية جديدة تعكس بصدق حقيقة الأحزاب المتنافسة على صوت المواطن.
ولو استشارني وزير الداخلية في هذا الموضوع لكنت اقترحت عليه أن يضيف إلى لائحة الرموز الحزبية التي صرح لها رموزا أخرى سيجد فيها المواطنون ضالتهم.
وفي بلد كالمغرب يكثر فيه السياسيون المنافقون يستغرب المرء كيف أننا لا نتوفر على رمز التمساح. فالتماسيح معروف عنها أنها تذرف الدموع بعد كل أكلة دسمة لتسهيل عملية الهضم. وكثير من السياسيين عندنا يشتركون مع هذا الحيوان في دموعه التي يذرفونها على الشعب في خطبهم مباشرة بعد التهام أمواله.
كما أنني أستغرب دخول فرقة «أولاد البوعزاوي» غمار الانتخابات بدون استعمال رمز «الكمانجة»، خصوصا وأننا شعب يعشق هذه الآلة حتى الموت. والدليل هو ما وقع في ملعب النهضة بالرباط. فقد اتضح أن المغاربة لا يعشقون «الكمانجة» فقط بل يذهبون إلى حد الموت من أجلها.
ولو أن كل «كوامانجية» المغرب يجتمعون في حزب لأصبحوا أول قوة سياسية في البلاد من شأنها أن «تحرك» السواكن وتدفع المواطنين إلى المشاركة في «الفيشطة» الانتخابية.
كما أنني أستغرب كيف غاب عن بعض الأحزاب السياسية اختيار رمز «الكبوط»، خصوصا الأحزاب التي قلب قادتها «كبوطهم» السياسي وأصبحوا حائرين لا هم في اليسار ولا هم في اليمين ولا هم في الوسط. ومن كثرة ما قلبوا وجوههم أصبحوا مثل أي شخص «مقلوب ليه التباطين».
أما الأحزاب التي ظلت دائما مع الجهة الرابحة، والتي استفاد زعماؤها من الحقائب الوزارية في كل الحكومات التي عرفها المغرب منذ الاستقلال وإلى اليوم، فهؤلاء كان أجدر بهم أن يختاروا رمز «المنشار»، والذي من خصائصه الأساسية أنه «طالع واكل نازل واكل». فسواء طلعوا في الانتخابات أو نزلوا فيها فإن نصيبهم ونصيب أبنائهم من «الوزيعة» مضمون.
وبما أن المندوبية السامية للمياه والغابات أصدرت بمناسبة اليوم العالمي للبيئة لائحة بأنواع الحيوانات التي يتهددها خطر الانقراض في المغرب خلال السنوات القليلة المقبلة، وعلى رأسها الثعالب، فإن بعض الأحزاب التي تشبه هذه الحيوانات في مكرها ومقالبها كان عليها أن تختار رمز الثعلب شعارا لحملتها الانتخابية، لتحسيس المغاربة بضرورة الحفاظ على هذه الثروة الحيوانية الوطنية من الانقراض.
وبالإضافة إلى رمز الثعلب، هناك مرشحون كان من الأفضل لهم اختيار رمز الحرباء، لأن هذا الحيوان الذي، يغير ألوانه حسب المكان الذي يوجد فيه، ينطبق على هؤلاء المرشحين الذين يغيرون انتماءاتهم الحزبية أكثر مما يغيرون جواربهم.
شخصيا، استمتعت كثيرا بهذه الحملة الانتخابية وبرموزها المضحكة، ليس فقط بسبب رمز «الروبيني» أو «الكار»، وإنما أيضا بسبب التناقضات الفظيعة التي سقطت فيها بعض الأحزاب التي تدعي التقدمية. وهكذا لأول مرة في تاريخ الاتحاد الاشتراكي يرشح الحزب في الدار البيضاء شخصا ممنوعا من السفر وسبق له أن أدين في قضية تزوير وصدر اسمه في الجريدة الرسمية. أما حزب التقدم والاشتراكية الذي ظل دائما يفتخر بتاريخه الشيوعي ولديه في الحكومة وزيرة للأسرة والتضامن لا تدعم سوى الجمعيات النسائية «المتحررة»، فقد رشح امرأة منقبة لا يظهر من وجهها سوى عينيها في مدينة القنيطرة. والشيء نفسه بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية الذي قاد حملة لتشجيع الحجاب وتحت شعار «حجابي عفتي»، فإنه لم يتردد في ترشيح نساء لا يرتدين الحجاب.
أما الحزب الذي جعل الجميع يعيد النظر في مفهومه للأصالة، فهو حزب الهمة الذي رشح في جماعة «بو بزازل»، عفوا جماعة «بو قنادل» بسلا، صيدلانية نجحت في احتلال أغلب الصفحات الأولى لجرائد أمس بفضل «الديباردور» اللاصق الذي كانت تلبسه، والذي كان يكشف عن النصف العلوي من صدرها وكتفيها. ومن كثرة انجذاب البعض إلى الصورة وصاحبتها اقترح على الهمة تغيير رمزه حزبه من «التراكتور» إلى «القنبولة».
وقد تفننت المرشحة في استعراض «برنامجها» الانتخابي فوق ظهر «التراكتور» أمام عدسة مصور وكالة الأنباء الفرنسية، وظهرت في الصور كما لو أنها تركب حصان «الروديو» الجامح وليس مجرد جرار حديدي جامد. حتى تشابه الأمر على بعض الزملاء واعتقدوا أن المرشحة تقوم بتصوير «كليب» غنائي لفائدة قناة «مزيكا»، وليس بتصوير حملة انتخابية لفتح شهية المواطنين للتصويت من أجلها.
والظاهر أن الأخت تأثرت بالحملة الانتخابية اللبنانية، خصوصا في معسكر الأحزاب المسيحية التي تشارك فيها «صبايا» أشبه ما يكن بفتيات برامج «ستار أكاديمي». والفكرة في حد ذاتها ليست جديدة، بل سبق الهمة إليها برلسكوني الذي رشح نجمات الإغراء في الانتخابات الأوربية. فإذا كان البعض لا يهتم ببرامج المرشحين، فعلى الأقل وبفضل مثل هذه الحملات «النموذجية» (كما أطلقت عليها إحدى اليوميات) فإن المواطنين سيهتمون بالمرشحين أنفسهم، خصوصا إذا كانوا كلهم مثل صيدلانية «بو قنادل».
ولعل إحدى مزايا دخول نساء مثل «مولات الفرماصيان» إلى المجالس الجماعية، هي زرع شيء من الأنوثة برحابة صدرها داخل هذه المجالس التي تؤثثها «شلاغم» السادة المستشارين الخشنة منذ الاستقلال إلى اليوم.
إذا لم يكن هذا الاقتحام الأنثوي للمجالس الجماعية مفيدا في شيء، فإنه على الأقل سيساهم في رفع نسبة حضور السادة المستشارين الجماعيين «المشلغمين» إلى اجتماعات المجلس الأسبوعية.
وفي نظري، فإن الانتخابات البرلمانية المقبلة يجب أن تعرف مشاركة مكثفة لمرشحات يصرحن في حملاتهن الانتخابية بممتلكاتهن بكل شفافية، حتى يستطعن دخول القبة برؤوسهن مرفوعة. فهذا هو الحل الوحيد المتبقي لتشجيع السادة النواب على حضور الجلسات والتصويت بكثافة على الميزانيات.
يجب جعل البرلمان والجماعات أكثر إغراء مما هي عليه.
والله المستعان.

11.06.2009

الحاجة اللي ما تشبه مولاها


إلى أي حد يمكن أن يذهب بعض الوزراء المرشحين للانتخابات الجماعية من أجل أن يرمموا بكارتهم السياسية أمام الناخبين. هذا هو السؤال الذي يطرحه كثيرون وهم يرون كيف أن وزير النقل والتجهيز كريم غلاب ينزع سترته وربطة عنقه ويفتح الأزرار العلوية لقميصه الحريري الأبيض لكي ينزل في حفرة «الطراح» بأحد أفران سباتة ويلتقط له صورة وهو يطهو الخبز في الفرن الشعبي.
غلاب مستعد لتقمص كل المهن وكل الأدوار من أجل الفوز بكرسيه في الجماعة. فهو يستطيع أن يشطح فوق «الكارو» ويلعب «الكاراطي» وكرة القدم، كما يستطيع أن يتحول إلى «طراح» في دقيقتين، ما يكفي لالتقاط صور تذكارية في الحفرة، تلك التي تشبه في عمقها بعض الحفر في طرق مقاطعة سباتة التي يسيرها منذ سنوات.
المثير في حملة وزير النقل والتجهيز ليس هو كونه تخلى عن ربطة عنقه وسترته، وإنما هو كونه نسي وضع الخوذة الواقية فوق رأسه خلال زيارته لحي السالمية 2، حيث استقبله بعض شباب المنطقة بوابل من الحجارة. وهو للإشارة الوزير الاستقلالي الثاني الذي يتم استقباله بالحجارة بعد الوزير hحجيرة.
لذلك وبالنظر إلى الوسائل «الحربية» البدائية المستعملة في الحملة الانتخابية مثل «الجباد كاري» والمقالع والعصي والسيوف، فقد كان على اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير أن تضع رهن إشارة المرشحين آلاف الخوذات الواقية حرصا على سلامة رؤوسهم من «التفرشيخ».
وإذا كان غلاب قد استقبله شباب السالمية بالحجارة، فإن زميلته في الحكومة والحزب، ياسمينة بادو كانت أوفر حظا منه، واستقبلتها نساء جماعة أنفا بالحليب والتمر. وفي مقر حزب الاستقلال اجتمعت ياسمينة بالعشرات من النساء وشبعت «تزغريت» معهن. لكن الصورة التي بقيت عالقة بالذاكرة بعد الزيارات الميدانية التي قامت بها وزيرة الصحة لعقر بيوت المواطنين، هي تلك الصور التي التقطت لها وهي تنحني لكي تستمع إلى أنين شيخ يعاني من آلام المرض.
ولو دخلت وزيرة الصحة كل بيوت الجماعة التي تترشح فيها لعثرت على مئات المرضى والفقراء الذين يتكومون في زوايا بيوتهم أو بيوت أبنائهم لأنهم لم يستطيعوا الحصول على سرير في المستشفى الذي تشرف عليه وزيرة الصحة.
أما وزير الشغل، الاتحادي جمال أغماني، فقد أعادته حمى الانتخابات إلى «الحومة»، وتذكر الدرب والأصدقاء القدماء بعدما استحلى مقاعد المجالس الحكومية الوثيرة. ونزل في سلا إلى الأسواق ليختلط بـ«الدجايجية» لكي يعطي الانطباع بأنه لازال قادرا على التهام «زلافات البيصارة» كما كان يصنع في السابق دون أن يصاب بمغص في المعدة.
وإذا كان وزير الشغل الاتحادي يخوض حملته الانتخابية في الأسواق الشعبية، فإن وزير المالية السابق، الاتحادي فتح الله والعلو، اختار أن يخوض حملته أمام أبواب الأسواق الممتازة بالأحياء الراقية في العاصمة. فوزير المالية السابق لا يحب «التكشتير»، ويريد لحملته أن تقتصر على النخبة التي تتسوق في مرجان حي الرياض.
واللافت للانتباه أن والعلو منع من دخول المقاهي للقيام بالحملة. ورغم أن الاشتراكيين يطلق عليهم لقب الفيلة عادة، فإنه يبدو أن فيلتنا المغربية لديها ذاكرة قصيرة. فوالعلو نسي أنه عندما كان وزيرا للمالية حاول فرض ضريبة القيمة المضافة على «بوربوارات» المقاهي. وإذا كان هو قد نسي فإن أصحاب المقاهي لم ينسوا. «ديرها غير زينة، تحصل تحصل».
وإذا كانت حملات الوزراء الانتخابية تشهد حراسة مشددة من طرف الأمن، بعد الحجارة التي أمطرت غلاب في السالمية، فإن أغلب حملات المرشحين الآخرين تعطي نموذجا مقرفا عن الانتخابات وتعكس المستوى المتدني للعمل الحزبي في المغرب.
ولا بد أن كل الذين تابعوا الانتخابات الأخيرة في لبنان وقارنوها بتلك التي تجري عندنا في المغرب خرجوا بخلاصة واحدة، وهي لماذا لا يكون لدينا نحن أيضا في المغرب شباب وشابات أنيقون وجميلون ووديعون ينظمون حملات هادئة وذكية وشاعرية لمرشحيهم كما حدث في لبنان، بشعارات مثل «كوني جميلة وصوتي». مع العلم بأن ما يوجد في لبنان من سلاح في قبضة الفصائل المتنافسة على صناديق الاقتراع لا يوجد في كل المنطقة العربية بأكملها.
والحمد لله أن أحزابنا في المغرب ليست لها أجنحة مسلحة كما في لبنان، وإلا لما «شاط» أحد من «كحل الراس» بعد 12 يونيو. وربما لهذا السبب انتزعت السلطات في سلا الأسلحة النارية من الأعيان. فمع كل هذه الفوضى التي تعرفها الانتخابات لا أحد يضمن عدم خروج هؤلاء «مورا العاصر» في حالة فشلهم في الفوز شاهرين في وجه خصومهم بنادق صيدهم.
أحد الأصدقاء قال لي متسائلا لماذا لا تكون لدينا نحن أيضا شابات وشباب أنيقون وباسمون يشرحون القلب يقومون بالحملة الانتخابية مثل ما نراه في القنوات اللبنانية، مع شعارات تنعش الروح مثل «كوني جميلة وصوتي». عوض كل هؤلاء «الشماكرية» ونساء «الموقف» والأطفال الذين كان يجب أن يكونوا في أقسام الدرس، والذين تستغل بعض الأحزاب فقرهم وبؤسهم لتشغيلهم في حملاتها الانتخابية بخمسين درهما في اليوم. حتى أصبح شعار بعض المرشحين هو «كوني بائسة وصوتي».
قلت له إن الأمية في لبنان غير موجودة مثلما هو الحال في المغرب، والسياسيون هناك رغم حربائيتهم وتبعية بعضهم للغرب، لم يصلوا بعد إلى المستوى المنحط الذي وصلت إليه أغلب أحزابنا في المغرب.
لذلك نرى اليوم كيف أن هذه الحملة الانتخابية هي الأسوأ في تاريخ المغرب المعاصر. ومجرد متابعتها يمكن أن يتسبب لك في مقاطعة الحياة السياسية بأسرها وليس فقط مقاطعة الانتخابات. وعوض الحوار والمواجهة بالبرامج، نرى كيف يلجأ أنصار الأحزاب المتصارعة على كراسي الجماعات إلى «المقالع» و«الجبابد» والعصي والهراوات والسكاكين والقنابل المسيلة للدموع لفتح ونفخ رؤوس منافسيهم عوض محاورتهم.
بعض شباب الأحياء الشعبية فطنوا إلى أن الفترة الانتخابية يمكن أن تدر عليهم بعض الدراهم فأصبحوا يمنعون المرشحين من ولوج أحيائهم إلا بعد دفع إتاوة. وهذه المهنة كانت موجودة في المغرب قبل الحماية واسمها «الزطاط». ومنها جاء اسم مدينة سطات. لأنها كانت منطقة مشهورة بالزطاطة الذين يؤمنون طريق المرور للتجار والمسافرين من هجمات قطاع الطرق. وهي المهمة نفسها التي قام بها أشهر «زطاطي» في تاريخ المغرب المعاصر، إدريس البصري، عندما «زطط» عبد الرحمان اليوسفي هو وقافلته الاتحادية من المعارضة إلى الحكومة على عهد الحسن الثاني.
وقد كان يكفي أن يلجأ حزب واحد إلى تشغيل «الشماكرية» في حملته الانتخابية لكي يقلده الآخرون. هكذا أصبحت الحملة الانتخابية في كثير من المدن عبارة عن معارك صغيرة تشبه معارك ملوك الطوائف. لكل واحد ميليشياته المسلحة بوسائل الدفاع التقليدية. وفي المساء عندما تضع الحرب أوزارها يذهب هؤلاء «الشماكرية» عند باعة «البيسريات» لكي يتسلموا حصتهم اليومية من «البيرة» لكي يشربوا في صحة المرشح الذي سيدفع الثمن.
في كل البلدان الديمقراطية، وفي كل الأحزاب التي تحترم نفسها، الذين يقودون الحملة الانتخابية للمرشحين هم مناضلو الحزب وشبيبته. أما عندنا فبسبب انصراف المناضلين عن الأحزاب السياسية، وجدت هذه الأخيرة نفسها مجبرة على اللجوء إلى خدمات «الموقف». وأصبحوا يكترون شبابا عاطلا عن العمل وعن الحياة، ونساء مستعدات للبكاء في المآتم كما «تسخان الطرح» في الأعراس، لكي يقتحمن الحمامات والبيوت في الأحياء الشعبية لتوزيع أوراق الدعاية الانتخابية.
والنتيجة هي أن من يرى حملات بعض المرشحين المسعورة في الشوارع يقول «يخ من الانتخابات وما يجي منها».
والمغاربة يقولون «الحاجة اللي ما تشبه مولاها حرام»، فهذه الحملات المجنونة والفاقدة لكل معنى، ليست سوى انعكاس لهذه الأحزاب السياسية التي فقدت بوصلتها وأصبحت مثل القط الذي يدور حول نفسه محاولا قضم الكرة الورقية التي علقوها له في ذيله قبل أكثر من ثلاثين سنة.

10.06.2009

خطاب أوباما وافتقاد الزعامة والقيادة لدى الأمة

حجم الانبهار والإشادة العمياء بخطاب أوباما هو خطأ في الفهم والإدراك.
كشف الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما في جامعة القاهرة في الرابع من يونيو الماضي حجم ومساحة الضعف والانهزام النفسي الذي تعيشه الأمة، تلك الأمة التي سلبت منها إرادتها، وضاعت منها أولوياتها، ولم تعد تملك قرارها، وأصبح مستقبلها ضبابيا، وحضورها سلبيا، ووجودها عدديا، جلس معظم أبنائها متعلقين بأمل الخروج مما هم فيه عبر الخطاب الذي ألقاه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بعدما أصبح العجز صفة ملازمة لأغلبهم، والضعف علامة مميزة لجلهم، جلس الجميع ينتظرون الوصفة السحرية التى ستأتيهم من أوباما عله يخرجهم مما هم فيه من ضبابية وضعف ويأس.
الجميع كان ينتظر أوباما عله يرسم ملامح المستقبل لأمة كانت تقود الدنيا ثم أصبحت تقاد من أعلاها إلى أدناها من قبل الآخرين، لكني كنت من البداية لا أعلق أي أمل على أوباما أو غيره لأني أومن بأن صناعة الحياة لا تأتي من الآخرين، ولاسيما إذا كانت أمة مارقة مثل الولايات المتحدة مارست كل صنوف الطغيان على العالم طوال العقود الماضية، فهم لم يصنعوا لنا سوى الموت والخراب والدمار منذ أن برزت قوتهم إلى الدنيا بعد الحرب العالمية الثانية، هم الذين زرعوا إسرائيل في قلب أمتنا ومدوها بكل أسباب القوة والحياة، فرصاصهم وطائراتهم وصورايخهم ودباباتهم هي التي خاضت إسرائيل حروبها ضدنا بها، فقُتل أبناؤنا واحتلت بلادنا ولازالت، وهم الذين ارتكبوا الجرائم في لبنان والصومال واحتلوا ولازالوا العراق وقتلوا وشردوا من أبنائها الملايين ولازالوا، وهم الذين يدعمون الأنظمة الديكتاتورية والمستبدة في بلادنا ويمنحونها الشرعية على حساب شعوبنا ورغباتنا ومصالحنا، فأنى لهم أن يقدموا إلينا ما هو خير لنا مهما كان من يحكمهم، ولاسيما أنهم ليسوا مثلنا قرار الرئيس عندهم هو القول الفصل. لقد أجبر أوباما على أن يتراجع عن كثير من قراراته تحت الضغط كما أنه لازال في أول عام من حكمه في بلد يحكم بالمؤسسات وليس بالرئيس وحده.
لم أنتظر شيئا من أوباما إلا بلاغة الخطاب ومعسول الكلام، لأني تتبعت مسيرته منذ أن برز منذ عدة سنوات فقط كعضو في مجلس الشيوخ واستطاع، بالحضور والثقافة والزعامة التي يمتلكها مع آلة إعلامية ودعائية قوية، أن يصل إلى كرسي الرئاسة في الولايات المتحدة خلال سنوات معدودة. لا شك أن أوباما يملك مقومات الزعامة بحضورها وبلاغتها وتواضعها وقوتها وثقافتها ووعيها ورغبتها في صناعة التاريخ، لكن كل هذا ليس لنا فيه مثقال ذرة، وإنما هو كله لبلاده والذين اختاروه. ومن ثم، فإن كل ما قاله ببلاغته وفصاحته وحضوره هو من أجل بلاده ومصالحها وليس من أجلنا نحن، فنحن لن نستطيع أن نحاسبه أو نذكره بأي شيء قاله، لأنه مجرد وعود وكلام معسول وعاطفي لشعوب عاطفية تنقلب للتعاطف مع أعدائها لمجرد كلمات معسولة أو وعود خادعة، وتنسى أن السكين لازالت في أيديهم يحزون بها رقاب العراقيين والفلسطينيين. لقد ألقى أوباما خطابه، وجنوده لازالوا يحتلون العراق ويقتلون أبناءها، وتحدث عن وعوده وأمانيه بينما مليون ونصف المليون فلسطيني محاصرون في غزة ويعيشون عيشة مزرية وفق تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، ولم يعد بشيء من أجل هؤلاء ولم يطالب بفك الحصار عنهم، وهي جريمة إنسانية يشارك فيها كل من تواطأ فيها أو سكت عنها. كما أشاد أوباما بأنظمة ديكتاتورية وحكام مستبدين، مما يعني تواطؤه وتواطؤ بلاده في دعم هؤلاء الذين يعملون لمصالح أمريكا وليس لمصالح شعوبهم.
لقد أظهرت زعامة أوباما وحضوره وثقافته وبلاغته حجم الأزمة التي تعيشها الأمة في حكامها الذين إما سطا بعضهم على السلطة بانقلابات عسكرية أو ورثوا الحكم عبر انقلابات قام بها أسلافهم من قبلهم أو أنهم يتوراثون الحكم عن آبائهم، وإذا تحدث أحدهم بدا وكأنه تلميذ في الصف الرابع يتعتع في استهجاء وقراءة الكلمات رغم أنها مكتوبة له من قبل الفصحاء الذين حوله. ومن ثم، فإن حجم الإعجاب والانبهار الذي أبداه كثيرون، حتى ممن تطلق عليهم تسمية مثقفي الأمة، كان بسبب شعورهم بالمأساة التي نعيشها لعدم وجود زعيم أو قائد يملك شيئا من مقومات الزعامة التي يملكها أوباما وأهمها أنه جاء باختيار شعبه وبإمكاناته ولم يفرض مثل معظمهم، كما أن هناك من يحاسبه وليس حسابه يوم الحساب مثل زعمائنا.
إن أوباما زعيم مبهر لكنه ليس زعيمنا.. إنه زعيم الولايات المتحدة، ويعمل من أجل الولايات المتحدة ومصالحها وشعبها وليس من أجلنا أو مصالحنا أو شعوبنا. يجب أن نضع الأمور في نصابها ولا نذهب تلك المذاهب التي ذهب إليها بعض المفلسين من كتاب الأمة ومثقفيها، حيث وصفه بعضهم بكونه «أوباما المنتظر» على غرار المهدي المنتظر. إن أهم ما يمكن أن نخرج به من زيارة أوباما وخطابه هو أنه يجب علينا أن نعمل كما يعمل الأمريكيون والأوربيون.. أن يكون لدينا رؤساء وزعماء منتخبون يعملون من أجل مصالحنا ومن أجل مصالح شعوبنا، وأن يكونوا تحت المساءلة والمسؤولية، وأن يملكوا مقومات الزعامة والقيادة والفصاحة والبلاغة وقوة الحجة والبرهان والكاريزما والحضور والقوة والرؤية والبصيرة. إن وصلنا إلى هذه المكانة، فإننا لن ننتظر من أوباما أو غيره أن يخرجنا مما نحن فيه، فالحياة لا تمنح إلا لمن يصنعونها، وحجم الانبهار والإشادة العمياء بخطاب أوباما وبلاغته وعدم وضع الخطاب في الإطار البراغماتي النفعي الذي تقوم عليه السياسة الغربية هو خطأ في الفهم والإدراك يتحمل مسؤوليته الذين يروجون له

الحمار المغربي ونظيره الأمريكي

فجأة وجد الحمار نفسه مقحما في الحملة الانتخابية دون أن يكلف أحد نفسه استشارة هذا الأخير حول موقفه من استعمال اسمه و«سمعته» في الانتخابات الجماعية الحالية.
وهكذا وجد حماران في الناظور نفسهما يتزعمان مسيرة احتجاجية على استعمال المال في الحملة الانتخابية. فيما وجد حمار آخر نفسه متورطا في مسيرة ببني ملال نظمها أصحابها لمحاكمة التجربة الجماعية السابقة، وعمدوا إلى كتابة أسماء هؤلاء المسؤولين على ظهور الحمار الذي طافوا به شوارع المدينة.
ودائما في مثل هذه المسيرات «الحمارية» يحدث الشيء نفسه، يتم اعتقال قائد المسيرة ومعه الحمير، وبعد لحظات يتم إطلاق سراح القائد ويتم الإبقاء على الحمير قيد الاعتقال في «فوريان» البلدية، ربما تعميقا للبحث.
وفي حالة الشاب الذي اكترى الحمار واستعمله في مسيرة بني ملال، فقد أنقذته والدته بشهادة طبية تثبت إصابته بمرض عقلي. فيما اعترف هو أمام الضابطة القضائية بأنه استعان بالحمار وعلق عليه صورة أحد المرشحين لأن هذا الأخير رفض منحه أجرته مقابل اشتغاله معه في الحملة.
استعمال الحمير في تصفية الحسابات السياسية ليس مقتصرا على المغرب فقط. فقد استعملتها بعض خلايا المقاومة في فلسطين والعراق وفخخت بعضها بالمتفجرات وأرسلتها تسرح بالقرب من الحواجز الأمنية التي تنصبها قوات الاحتلال. وكم من حمار كان يسرح بالقرب من نقطة تفتيش أمريكية إلى أن تطايرت أطرافه ومعها أطراف الجنود الذين لم يتوقعوا لحظة واحدة أن حمارا مسالما يمكن أن يشكل خطورة عليهم.
وفي المغرب إذا لم يتم استعمال الحمار «شخصيا» في تصفية الحسابات، فإن صفته هي التي تستعمل. أي «تاحيماريت». والمغاربة مشهورون بسرعة غضبهم ونزوعهم إلى استعمال الشتائم بسهولة بالغة، وأحيانا بدون مبرر. وأسهل شيء يمكن أن تسمعه من فم المغربي أو المغربية إذا ما «طار» لأحدهما هو «الحمار لاخر»، أو «الحمارة لخرا».
وهذه الشتائم نسمعها أكثر في طرقات المملكة. خصوصا عندما ينشب خلاف مروري على الطريق. وأحيانا لمجرد أنك استعملت حقك الطبيعي في «الدوبلاج». فهناك نوع من المغاربة يكره أن تتجاوزه في الطريق، وإذا تجاوزته فإنه يعتبر ذلك انتقاصا منه واحتقارا لسيارته و«العودان» التي تنام في محركها.
وغالبا عندما يكون زجاج النوافذ مغلقا يمكنك أن ترى شفتي السائق المغربي الغاضب تتحركان بشكل يجعلك تقرأ عليها «على حمار كي داير»، أو «حمارة» إذا حدث فعل التجاوز من قبل امرأة.
وإذا كان البعض يستعمل الحمار لتصفية حساباته السياسية مع خصومه، والبعض الآخر يستعير منها صفة «تاحيماريت» لشتم خصومه وتحقيرهم، فإن حوالي خمسة عشر مليون مغربي يقطنون في القرى والبوادي يعرفون «بحق» الحمير ولا يستطيعون الاستغناء عنها، ببساطة لأن حياتهم بدون الحمير ستتحول إلى جحيم.
والحمار على عكس ما يروج عنه، ليس حيوانا غبيا، بل لديه ذاكرة قوية. ويستطيع أن يتذكر الطرق التي سلكها ويعود عبرها لوحده بدون صاحبه. والذين يشتغلون في التهريب في منطقة «جوج بغال» بين المغرب والجزائر، يعرفون عماذا أتحدث. فوسيلة الاتصال الوحيدة بين المغاربة والجزائريين هي الحمير العابرة للحدود. تذهب الحمير المغربية محملة بالخضر والفواكه والحشيش وتعود محملة بالغاز ومواد التجميل والقرقوبي.
والحمير تذهب لوحدها بدون حاجة إلى سائق. فهي تحفظ منعرجات الطريق الصعبة بين المغرب والجزائر عن ظهر قلب، ربما أكثر مما يعرف الطيب الفاسي الفهري منعرجات ملف العلاقات المغربية الجزائرية. ولكي لا تضيع الحمير وقت المهربين في أكل العشب أو التناسل في الجبال فإن أغلبهم يعمد إلى وضع «والكمان» فوق آذانها الطويلة حيث يسجلون لها صوتا أجش في شريط يردد طيلة وقت الرحلة «أرا سير، أرا سير». هكذا يعتقد الحمار أن هناك راكبا يقوده، أي أن هناك رقابة مفروضة عليه. تماما مثل ذلك الصوت الذي يسمعه بعض الصحافيين في رؤوسهم عندما يهمون بالكتابة حول بعض المواضيع، فيمسكون فجأة أصابعهم عن الخوض فيها مخافة أن ينتقل التهديد من الصوت إلى السوط.
المشكلة أن الحمير المغربية العابرة للحدود أصبحت تشكل هدفا لحراس الحدود الجزائريين. وهكذا أصبحت بعض «فيالق» الحمير تموت أثناء أدائها لواجبها الوطني، ولا تصل حمولتها أبدا إلى أصحابها.
وهذا نداء إلى الأخت «بريجيت باردو» لكي تنكب على ملف هذه الحمير المغربية المغتالة غدرا على أيدي الإخوة الجزائريين على الحدود، مادام مسوؤلونا في الخارجية لا يهتمون حتى بمصير المغاربة البشر، خصوصا أولئك الذين يموتون في سجون العقيد معمر القذافي، فكيف سنطالبهم بالاهتمام بمصير الحمير.
والواقع أن الحكومة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالاهتمام بمصير الحمير، خصوصا وأن لائحة صادرات المغرب نحو الخارج تشير إلى وجود هذه الحيوانات ضمن الأصناف الحيوانية التي يصدرها المغرب.
والمغرب من أهم مصدري الحمير في العالم. وحسب إحصائيات مكتب الصرف، فالمغرب يصدر سنويا نحو إسبانيا وفرنسا حوالي 1500 حمار. وليس أي حمير من فضلكم، وإنما الحمير «الأصيلية»، يعني حمار «دوريجين». فالحمير عندنا مثلها مثل البشر، هناك الأصليون وهناك المزيفون. بالإضافة طبعا إلى «الكياضر»، والتي لا أحد يطلبها منا في الخارج فتبقى عندنا في الداخل «تزعرط» في الوقت الذي تظل فيه الخيول مربوطة.
وهناك اليوم في إسبانيا وإيطاليا والكثير من دول حوض البحر الأبيض المتوسط، اتجاه إلى استيراد الحمير لاستعمالها في السياحة الجبلية. وهناك بلديات في إيطاليا أصبحت تشتري الحمير لاستعمالها في التخلص من القمامة، بحيث يتم إطلاق سراحها في الشوارع لكي تأكل الأزبال، عوض الاحتفاظ بها في حدائق الحيوان وصرف الميزانيات الباهظة على إطعامها.
وعندنا في المغرب سبقت البلديات نظيرتها الإيطالية في ذلك. ويكفي أن تتجول في بعض الأحياء بالمدن المغربية لكي تصادف قطعانا من الحمير تدس رؤوسها في «طاروات الزبل» لتقلبها وتلتهم محتوياتها، التي غالبا ما يكون «الميخالا» قد مروا عليها قبلها ونهبوا محتوياتها.
والمغرب يتوفر على احتياطي مهم جدا من الحمير، ولذلك ففي اتفاقية التبادل الحر التي وقعها المغرب مع الولايات المتحدة الأمريكية يحضر الحمار كإحدى المواد التجارية التي يستقبلها الأمريكيون من المغرب.
وإذا كان الحمار المغربي يعاني من الحيف والظلم وتشويه الصورة، فإن الحمار الأمريكي استطاع أن يصل إلى البيت الأبيض، وليس إلى «الفوريان» كما يحدث عندنا. فالحمار رمز الحزب الديمقراطي الذي يحكم العالم اليوم. ومن يدري، فربما يرق قلبه لحال إخوانه في المغرب، فيمد إليهم حافره في التفاتة حمارية نبيلة.
وربما لهذا السبب ظل الحمار المغربي معفى من الضرائب الجمركية في اتفاقية التبادل الحر بين الرباط وواشنطن. «سعداتو، ما محتاج يشارك لا فقرعة، لا يخلص لا فيزا لا ضريبة». وليس مثل مئات المغاربة الذين شاركوا في القرعة الأمريكية ودفعوا سبعة آلاف درهم ثمن الملف، وفي الأخير رفضت القنصلية الأمريكية بالدار البيضاء منحهم التأشيرة لعدم توفرهم على الشروط المهنية المطلوبة.
ترى، من هو الحمار الحقيقي في كل هذه الحكاية؟

Blog Archive